كثر الكلام حول ركن الثقة من بين أركان البيعة عند الإخوان المسلمين ، خصوصا بعد أحداث مكتب الإرشاد الأخيرة .
وقبل الدخول في ركن الثقة أود أن أجمل المشهد الإخواني الذي تلى تلك الأحداث وكيفية تفاعل الصف وقيادته مع تلك الأزمة وهي أزمة بلاشك في ظني لم يحسن الإخوان عموما استغلالها .
تلك الإنتخابات أفرزت وكشفت عن وجود خلافات فكرية وإدارية ونفسية بين الإخوان بل بين الصف الأول من قيادات الجماعة ، وهذا طبيعي لأن الإخوان بشر ويعتريهم ما يعتري البشر من نقص وذلك إجمالا .
خلافات فكرية تمثلت في تصريحات القيادات حول الأزمة وتضارب تلك التصريحات فمنهم من أقر بوجود مشكلة وعدم توافق البعض مع بقية الأعضاء ، ومنهم من نفى أصلا وجود أزمة واستخف بعقول الإخوان وكأنه يخاطب أطفالا صغارا لا تعرف شيئا مما يدور حولها .
فمثلا جاءت تصريحات الدكتور محمد حبيب والذي شغل منصب عضو مكتب الإرشاد لأكثر من 20 سنة وشغل منصب النائب الأول للمرشد جاءت تصريحاته صادمة لكثير من قواعد الإخوان فاعترض على سياسة الإخوان في التعامل مع الحكومة ومع بقية التيارات السياسية الأخرى ونظرته لثقافة الولاء والطاعة التي انتشرت بين مجلس الشورى وبعض أعضاء مكتب الإرشاد وعدم الاقتناع بثقافة اللائحة وذلك على حد قوله .
واعترض الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح على الثقة المطلقة بلا ضوابط ، وقال أتمنى أن تذهب هذه الثقة إلى الجحيم وأن يعرض الإخوان كل ما يأتي إليهم على عقولهم وضمائرهم ، وكلامه الخطير حول رسالة التعاليم وقوله أنها تخص النظام الخاص فقط وأنها ليست لعموم الإخوان .
وذلك على سبيل المثال لا الحصر .
والخلافات الإدارية كان مثالا لها الإعتراض على تفسير اللوائح والعمل بها ، وأيضا بعض الطعون التي قدمت للمكتب حول الإنتخابات وحول عوار اللوائح المنظمة للعمل الإخواني من بعض قيادات جيل الوسط .
والخلافات النفسية والتي أقر بها كثير من قيادات الإخوان حتى جاءت استقالة الدكتور حبيب على إثر هذه الخلافات وقال الدكتور العريان أن الدكتور حبيب يمر بشرخ نفسي جراء ما حصل .
بعد كل ما حدث حق للكثير أن يراجع نفسه وإخوانه في ثقة الصف في القيادة ، تلك الثقة والتي أفرغت من مضمونها الحقيقي الذي أراده الإمام المؤسس ، واستخدمها الكثير كسيف مسلط على رقبة المخالف ، وتحجج بها الكثير ممن حاولوا إخفاء الأزمة وأبعادها عن بقية أفراد الصف ، وكأن المطلوب هو الثقة في القيادة وإن لم تقدم متطلبات تلك الثقة من عمل سليم نحو تحقيق الأهداف ورؤية حكيمة نافذة نحو خط سير الجماعة ، وبعد أن أصبحت الثقة وعدم الاعتراض على القيادة مقياسا لمن يتم تصعيده وإسناد المهام إليه ، وبعد ما رأينا من شباب الإخوان على المنتديات والمواقع الإخوانية وما نراه في مناطقنا وشعبنا من ثقة في ما لا يعرفون عنه شيئا ، يثقون لمجرد أنه كلام القيادة دون إعمال العقل ، ووصل الأمر إلى تخوين واتهام للنوايا لمن قدموا لهذه الدعوة أكثر مما قدم جيلا كاملا بل كان له الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في دخول هذا الجيل إلى الدعوة والذين عرفوا المعتقلات والسجون قبل أن يولد الكثير من المندفعين والواثقين الواهمين بأنهم يدافعون عن الإسلام بدفاعهم عن قادتهم .
كلامي حول الثقة سيأتي مكملا لكلام إخوان كرام أدلوا بدلوهم في هذا الصدد.
وسؤالي و مقالي مرتكز على نقطة في غاية الأهمية ألا وهي :
هل كانت الثقة التي يفهمها الكثير من الإخوان ويطبقونها موجودة في التاريخ الإسلامي وهل كانت موجودة بين عظماء هذا التاريخ الذين خطوا سطور ذلك التراث العظيم والتاريخ المشرق ؟
هل منعت الثقة في النبي الصحابي الجليل الحباب بن المنذر من أن يراجع رأي النبي صلى الله عليه وسلم في موقع الجيش في غزوة بدر وكان قرارا للنبي صلى الله عليه وسلم ؟
هل منعت الثقة في النبي الصحابي الجليل سعد بن معاذ من أن يراجع النبي صلى الله عليه وسلم في رأيه في غزوة الخندق بتسليم ثلث ثمار المدينة لقبيلة غطفان ليضمن خروجها من معسكر الكفر ؟
هل منعت الثقة سيدنا عمر بن الخطاب عندما عين صاحبه وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم سعيد بن عامر الجمحي في إحدى الأمصار وجاء الناس يشتكونه فجاء به سيدنا عمر وقام بسؤاله ومراجعتهفيما حدث ؟ هل كان هناك ثقة مطلقة في أحد وإن كان صحابي من بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟
أين كانت الثقة كما يطبقها الإخوان الآن عندما قرر علماء هذه الأمة وضع ضوابط ولوائح لنقل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من جيل لجيل ؟ فبحثوا و تحروا عن كل فرد وعن كل ناقل لحديث النبي وإن كان شيخ الشيوخ وجهبذ الجهابذة لم يمنعهم أي شئ من التحري والتقصي والبحث في حياتهم وتفاصيلها وكذلك عباداتهم وأحوالهم وبيعهم وشراهم وتعاملاتهم بل وصل الأمر إلى أن بحث الإمام البخاري رضي الله عنه في القصة المشهورة في البحث كيف يعامل الرجل دابته .
ولم يكتفوا حين تيقنوا من عدل وسلامة نقل وضبط من أخذوا عنهم الأحاديث بل اتجهوا لجمع الروايات زيادة في الاطمئنان والتثبت من تلك النقول .
لم تمنعهم الثقة في إخوانهم من وضع الضوابط والمعايير الدقيقة للنقل لأنهم يعلمون خطورة المهمة التي يقومون بها وهي نقل الدين إلى أجيال وأجيال .
وليست مهمة النهوض بالأمة والتي تصدى لها الإخوان وغيرهم أقل خطورة من تلك المهمات العظيمات والتي قام بها سلف هذه الأمة .
أم أن التأسي بهم وبتراثهم أقوال لا تجاوز الحناجر ولم تنزل إلى أرض التنفيذ والتطبيق .
فلابد أن تكون الثقة في الرجال مبنية على أنها ليست مطلقة حتى ولو كانوا من أهل الفضل ، والأخذ منهم وعنهم لابد وأن يخضع لضوابط ومعايير .
أنظروا إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه ، هناك في تراثه وتراث مذهبه وأصحابه ما يطيح بمبدأ الثقة المزعوم المغلوط ويلقي به في غيابات الجحيم .
بعدما أجيز رضي الله عنه من قبل شيوخه بالإفتاء والتدريس والتعليم أنشأ مذهبا قديما عندما كان في العراق ووضع ضوابطه وقواعده الفقهية في الاستنباط والاستدلال ، ثم ما لبث بعد مرحلة من المراجعة العلمية لما أفتى به وقرره قبل ذلك أن أنشأ مذهبا جديدا ومنع الإفتاء بمسائل مذهبه القديم له ولغيره ، لم يثق تمام الثقة في أفكاره والتي خطها بيديه بعد نضوج علمي وفكري فكان دائم المراجعة لنفسه فيما كتب وفيما أفتى وهذا دأب العلماء والأئمة الأعلام .
وظل أصحابه من بعده على نفس النهج والفكر فبحثوا في كل مسائل الشافعي القديمة والجديدة فاستدركوا عليه وأخذوا ينقحون مذهبه بكل احترام وتقدير لصاحب المذهب وثقتهم في علمه وقدرته ونبوغه لم تمنعهم من الاستدراك على شيخهم والتعديل على ما جاء به فمر المذهب بمراحل كثيرة من التنقيح والتعديل والمراجعة ، وكان هذا حال جميع المدارس الفكرية والمذاهب الفقهية في التاريخ الإسلامي .
أين هذا التراث والتاريخ لمن يزعم أن القاعدة الفكرية للإخوان لا تحتاج إلى مراجعة ونقاش ؟
أين هذا التراث والتاريخ لمن يطلب الثقة في القيادة في كل مواقفها وأفعالها دون ضامن من لوائح ونظام للمراجعة والمحاسبة ؟
أين هذا التراث والتاريخ لمن يلغي عقله ويطمئن دون بحث أو تحري لكل ما يأتي إليه من القيادة بل لا يكلف نفسه عناء السؤال وإبداء الرأي ؟
أين العقول والألباب و التي يصر أصحابها على أنه لا حاجة لمراجعة فكرية لموروث الإخوان الفكري والشرعي ألم يتعلموا من الإمام الشافعي أم أن موروثهم أكثر ثباتا ورسوخا من كلام الشافعي ؟
أين العقول والألباب حين تصر على أن هناك ثوابت من المحرم المساس بها ، ومن اقترب منها يقام عليه الحد المعنوي بين إخوانه وكأنه أتى بكبيرة من الكبائر ؟
ألم يلاحظوا أنه لو أراد المؤسس نفسه والذي قام بوضع تلك الأفكار والمبادئ لو أرد أن يطلق عليها لفظ ( الثوابت ) لفعل ولكان أول من وصفها بذلك ؟
ولو فعل ذلك لكنا أول من يستدرك عليه فهو رحمه الله ليس بأفضل من الشافعي رضي الله عنه ، فهو لم يدعي ذلك ولم يطلب من أتباعه أن يقدسوا كلامه ولا يراجعوه .
من ادعى العصمة للإخوان ومن ادعى السلامة المطلقة للموروث الفكري للإخوان على تقديرنا له لا يفقه التاريخ ولا يعي منه شيئا .
فهؤلاء لم يعرفوا من التاريخ إلا قصصه وحكاياته ولم يدركوا عبره وعظاته .
خلاصة القول أن الثقة في المنهج لا تمنع من التحليل والمراجعة المستمرة ولا تمنع من التعديل والتنقيح حتى في الأصول الفكرية للجماعة لأن الذي استنبطها من أحكام الإسلام وأصوله بشر يخطئ ويصيب ، والخطأ في القياس والاستدلال والاستنباط وارد وممكن .
والثقة في الأشخاص غير مطلقة إنما لابد أن تكون مقيدة بضوابط وسياسات تمنع الانحراف والخطأ والنسيان وتعطي حق الاستدراك والمراجعة والمسائلة والنقد .
ولنعلم أن صفحة الإخوان في التاريخ الإسلامي هي صفحة ولكن أمامها مجلدات من نور سطرها من هم أعظم منهم ولم يكن بينهم تلك الثقة المطلقة في شيوخهم وأساتذتهم وصالحيهم ، كانت هناك ثقة محاطة بالعقل والتفكير والتثبت ، و كان هناك مبدأ وثابت حقيقي من ثوابت الإسلام : " وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون "
د . عبد الرحمن مختار
abdelrahmanmokhtar@live.com

