
انتشرت منذ سنوات ظاهرة التدوين والصحافة الحرة على شبكة الإنترنت ، وكذلك تعددت وسائل الحوار والنقاش من خلال المنتديات وساحات الحوار .
وكان ملتقى الإخوان المسلمين من أكبر المنتديات والتي جمعت أطياف كثيرة من أفراد جماعة الإخوان وغيرهم من مختلف البلاد والأعمار والشخصيات .
وبدأت منذ فترة وجيزة بالكتابة والتدوين ومحاولة نشر آرائى عن جماعة الإخوان والتي انتميت إليها منذ أكثر من 15 عاما مؤملا أن أجد من يناقش أو يحاور أو يفكر فيما أقول وأنقل .
ولا يعيبني أن أكتب وأوجه أنظار القراء إلى بعض ما أراه سلبيا داخل جماعة الإخوان من فكر أو موقف أو فعل ، طبعا بغية الإصلاح والوصول للكمال والمثالية ظنا مني أن ذلك مما يساهم في قيام الجماعة بدورها الإصلاحي المنوط بها على أكمل وجه .
وبدأت بالفعل في نشر مقالاتي عبر ملتقى الإخوان ومنتدى شباب الإخوان ، وورأيت في الملتقى ما لم أتوقعه ، بدأت الإتهامات والسخرية وأحيانا سوء الأدب والتدخل في النيات ، بدأت الإتهامات بالعمالة أحيانا وبخيانة العهد أحيانا أخرى غير تهم حب الشهرة وحب الكتابة والطمع في المناصب وغيرها .
وكان كل هذا على مرأى ومسمع مشرفي الملتقى ، وهم ما أعتب عليهم لمواقفهم السلبية من وجهة نظري تجاه ما يحدث من الأعضاء المتعصبين للجماعة من غير هدى ولا بصيرة .
التعصب والدفاع الأعمى ضد كل من ينتقد الجماعة أو يحاول التقويم بقدر ما يراه من اعوجاج وسلبية ونسوا أننا بشر نخطئ ونصيب .
فلابد وأن يكون هناك فريق يبحث ويحلل وويقوم ما يراه من أخطاء سواء على المستوى الفردي والجماعي ، ووجود هذا الفريق دليل صحة الجماعة وبقائها وليس انشقاق أو ضيق بالجماعة أو نكث للعهود كما ظن في وفي كل أخ ينقد إخواننا المتعصبون المدافعون عن الجماعة .
بدأت التجربة منذ عدة شهور ومرت بغلق بعض المواضيع وانتهت بحذف الكثير من المواضيع في الفترة السابقة والسكوت التام من معظم المشرفين أمام الاستهزاء والإتهام والتجريح والتخوين .
وكأننا لم ننتمي للجماعة يوما ولم نعتقل بسبب انتمائنا ، وكأننا لسنا إخوانهم ومحبيهم ، وكأننا لسنا الأيادي التي عملت وتعمل معهم يد بيد في تلك الدعوة .
إلى أن قررت عدم المشاركة في الملتقى مرة أخرى حتى يصلح الله حاله ، وعدم إضاعة الوقت والجهد في نقاش ليس منه فائدة ولا رجاء .
وذلك أصلح لديني ولنفسي .
ولكن قررت أن أقف على دلالات تلك التجربة مع منتدى ملتقى الإخوان وهي :
1 – مازال الكثير من أبناء الدعوة بعيدين عن تقبل الآخر وعدم التعصب لفئة أو رأي .
مع أننا نحن الشباب عشنا في عصر المنتديات وساحات الحوار والمدونات والصحافة الحرة والذي من المفروض أن يحرك البوصلة ناحية حرية الرأي والفكر وأدب الحوار والنقاش ومقارعة الحجة بالحجة وأن يكون السلطان للفكرة بغض النظر عن قائلها .
وهذا يضع أجزاء من مقررات التربية داخل الجماعة داخل قفص الإتهام ، فأفراد الجماعة ( وأخص بالذكر الشباب ) يتجهون ناحية التعصب والجمود وعدم تقبل النقد والتفكير فيه ظنا منهم أنه يشوه الجماعة ويهدم أفكارها وثوابتها ، في الوقت الذي يتحرك فيه الجميع من حولنا إلى البحث عن مساحات الإتفاق وتقبل الآخر وانتشار الصحافة الحرة والفضائيات والحوارات والنقاشات التي تدور عليها ، فأفراد الجماعة الكثير منهم في تلك النقطة يسبحون عكس التيار الطبيعي ولابد من وقفة من قبل المسئولين في هذا الأمر .
فكيف سنقبل الآخر من خارج الجماعة طالما لا نقبل النقد من داخلنا من داخل أبناء الدعوة ، وإن تجنى الناقد وغالى في نقده فالحجة والبرهان والنقاش الهادئ خير وسيلة للحوار ، فيكفيه نيته الحسنة في الإصلاح والتقويم ، وما أمرنا إلا أن نأخذ الناس بظواهرها .
2 – التترس ببعض المفاهيم ووضعها في غير موضعها واستخدامها استخدام خاطئ ( كالثقة والطاعة والبيعة ) ووضع تلك المفاهيم عراقيل أمام كل ناقد لإرهابه ولتخويفه واتهامه بنكث العهد الذي بينه وبين الجماعة وأنه يطعن في قادته ولا يثق فيهم إلى غير ذلك من الإرهاب الفكري والحجر العقلي .
لو ظللنا نضع تلك العراقيل أمام كل ناقد لن نجد من يصحح ويقوم ويظهر الأخطاء لعلاجها ومحاولة تجنبها في المستقبل ، وسنقتل كل إبداع وتطوير من داخل الجماعة وسنصبح قوالب مستنسخة من أسلافنا مع احترامنا الشديد لهم ، ولكن هذا ليس في مصلحة الدعوة ولا المجتمع بل إنه مخالف للفطرة السليمة والسنة الكونية .
فالتعامل بمبدأ ( إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) القرآن الكريم ذمه لأنه يقف حاجز وسد منيع أمام إعمال العقل بغض النظر عن محتوى ما تركه الأسلاف والأجداد ، فالتغيير والتطوير سنة من سنن الله في الكون شئنا أم أبينا ، فبقاء الحال من المحال كما نعلم .
فلنتخيل أن هناك مجتمع كل جيل يأتي يكون صورة مطابقة ومماثلة للجيل الذي قبله ، فهل ستجد في هذا المجتمع تطوير أو تجديد أو تعديل للمسار الخاطئ .
3 – إهمال واضح للعقل من قبل الكثير من أبناء الدعوة ، فالفرد اعتماده ومتكئه هو كل ما يقال له أو يأتي إليه من المسئول مهملا دور عقله من بحث وتفكير واستنتاج وقياس وتقليب الأمر على أوجع عدة ومن تفكير متعدد الزوايا .
لكن لو تربينا على تحكيم القواعد العقلية والأحكام الشرعية في كل مواقفنا وأفعالنا وأفكارنا ولا نأخذها كما جاءت من المسئول أو الأخ الأكبر ( وخصوصا في الأمور التي تحتمل النقاش والحوار والغير مسلم ومقطوع بصحتها ) لتغيرت رؤيتنا لأمور عدة ولتغيرت مواقفنا تجاه الكثير من القضايا ، ولتأكدنا أن الأمور ليست أبيض وأسود إنما هناك مساحات رمادية كثيرة ومتعددة ومختلفة .
وأخيرا كلمة أو نصيحة لكل فرد متعصب للجماعة ومدافع عنها .
أيهما أنفع للجماعة وأبرك ؟
أن ينقدها أبنائها المحبون لكل ما في الدعوة وحريصون عليها وعلى تصحيح الأخطاء وإقالة العثرات ، أم يأتي النقد ممن هو لا هم له ولا طلب إلا تشويه صورة الجماعة والقضاء عليها ومحاولة بث الفتنة والفرقة بين أبنائها طمعا في منصب أو تقرب لسلطان وهؤلاء كثير ونعرفهم بالإسم .
دعوا من ينقد بأدب وموضوعية من أبناء الدعوة واحرصوا عليه ولا ترموه بالتهم .
فما دفعه إلى النقد إلا المصلحة والنفع .
ونصيحة لمن ينقد من داخل الدعوة ، ضع أمامك الحيادية والموضوعية والابتعاد قدر الإمكان عن شخصنة النقد إلا لضرورة ، وكذلك الحرص على أدب النقد وإظهار العاطفة ، عاطفة حب الإصلاح والتقويم .
د . عبد الرحمن مختار
abdelrahmanmokhtar@live.com
على مدونتي ( أنا من الأخوان ولكن )