الأربعاء، 27 يناير 2010

هل هناك فتور يصيب الإخوان أم لا ؟




هل هناك فتور يصيب الإخوان ... أم لا ؟



لاشك أن الاهتمام بالعمل التربوي داخل جماعة الإخوان لابد أن يحتل المكانة الأولى ، لأنه المنوط بتجهيز وبناء الأفراد ، وهذه الأفراد هي التي تنفذ أهداف الإخوان وتسير بهم نحو تحقيق مشروعها الإصلاحي .

وهذا ما جعل الإمام المؤسس حينما طلب منه وصف الجماعة في كلمة واحدة قال : هي جماعة "تربوية"

ولا شك أننا أيضا حين نبحث ونسأل عن وجود آفة الفتور وهل هي موجودة وتضرب قطاعات من الإخوان فإننا بذلك نريد أن نطمئن على سلامة أهم عمل داخل الجماعة وأكثرها إفادة وخطورة في نفس الوقت .

فجودة العمل التربوي هو صمام الأمان للجماعة من الغزو الفكري والأخلاقي الذي يملأ مجتمعاتنا الآن ، وهو العامل المنشط الذي يساعد على إنجاز الأعمال وتحقيق الأهداف .

ومخالفة معايير الجودة التربوية حتما يشكل ناقوس خطر على أفراد الجماعة وأهدافها ومشروعها بأكمله وأن استمرت الجماعة في مخالفة تلك المعايير فذلك يجعلها داخل المجتمع كجسد بلا روح وكمظهر بلا جوهر وكوجود بلا حقيقة .

ومن البديهي أن تحدد تلك المعايير وفقا لما تخبره علوم التربية والسلوك ، وأن يشرف على وضع تلك المعايير العلماء الثقات من رجال هذا الفن وذاك العلم .



ورجوعا بعد هذه المقدمة إلى السؤال عنوان المقالة ، هل هناك فتور تربوي ودعوي بدأ يتسرب إلى صفوف الإخوان ؟ وما سبب ذلك الفتور ؟

وقبل أن نجيب على السؤال الأول ونقر أو ننكر وجود فتور داخل بعض قطاعات الجماعة ، لابد أن نحتكم إلى معيار أو ضابط أو مؤشر يقيس لنا مسألة الفتور ويثبت وجودها من عدمه .

فهناك معيار العدد والتواجد ، وهذا المعيار كثيرا ما يحتكم إليه الكثير من الإخوان قيادة وصفا ، وهذا المعيار هو غير دقيق من وجهة نظري وذلك لحديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله أصحابه عما سيصيب الأمة في آخر الزمان من ضعف ووهن ، قالوا : " أومن قلة يومئذ يا رسول الله " قفز إلى ذهنهم مباشرة معيار العدد ، فقام الرسول صلى الله عليه وسلم بتعديل وضبط المؤشر فقال : " لا بل أنتم يومئذ كثير ( أي أن العبرة ليس بالعدد ) ولكنكم غثاء كغثاء السيل " .

وكثير ما يتكئ الإخوان على ذلك المعيار في الحكم على قوة الجماعة وفاعليتها ، وهذا معيار غير دقيق ، فهناك من يردد أن لنا 88 عضوا في البرلمان ، وهناك من يقول الجماعة منتشرة في أكثر من 80 دولة حول العالم .

وأنا شخصيا ضد هذه الأقاويل وترديدها من غير وعي وإدراك ، لأنه من البديهي والمنطقي أن يقول شخص إذا كان هناك أي تنظيم أو جماعة منتشرة في أكثر من 80 دولة لابد أن أعدادهم يبلغ مئات الالاف بل يتعدى الملايين ، ولابد أن تحدث تلك الملايين تأثيرا بالغا بل قل طفرة كبيرة في المجتمعات التي تعيش فيها بالرغم من كل التضييق الذي يمارس عليها ، وهذا لا ينفي مجهودات الإخوان وإنجازاتهم ولكنها لا تتناسب مطلقا مع تلك الأعداد التي نتكلم عنها ونتغنى بها .

إذن هناك معيار آخر أدق وأفضل من معيار العدد وهو معيار الفاعلية ، ومعيار الفاعلية في العمل التربوي يساوي ( التغيير ) مصداقا لقول الحق عز وجل : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ، فلابد أن نلحظ تغييرا نحو الأفضل في البناء التربوي لصفوف الإخوان حتى نرى نتائجه على مستوى المجتمع .

والذي يجعل معيار التغيير أفضل من معيار العدد والتواجد هو إحصائيات ومتابعات العمل التربوي ، فالعامل والمنخرط في العمل التربوي داخل الإخوان يلحظ ما يلي :

1 – نسبة حضور الوسائل التربوية من الأسر والليالي الإيمانية والمخيمات تترواح من 50 – 70 % وهي نسبة ضعيفة ، وكما قلت فإن معيار العدد غير دقيق لأنه ليس بالضرورة أن يكون كل المتخلفين عن تلك الوسائل من المصابين بنواقص تربوية فهناك أصحاب أعذار حقيقية وهناك من يتخلف فعلا لنواقص تربوية فيه وهناك من يختلف مع أسلوب إدارة الإخوان للأعمال فيبتعد قليلا ، والخلاصة أن هناك أسباب كثيرة لضعف التواجد وظهور الجماعة كعدد أكبر من حجمها الطبيعي .

2 – هناك كم من التكرار في الوسائل والبرامج التربوية والعائد والمردود منها قليل من حيث التغيير والتطور التربوي في بناء صف الإخوان .

فعلى سبيل المثال هناك كم غير قليل من الإخوان يواظب على حضور الوسائل التربوية والتي بها برامج تعالج قصوره ( من وجهة نظر المربين ) ويظل على نواقصه كما هي وتظل نسبة التغيير قليلة وفي أحيان كثيرة منعدمة .

3 – هناك الكثير من الشكاوي في الكثير من المناطق وقطاعات العمل الإخواني من البطالة الدعوية وشكاوي الفتور الإيماني والدعوي ( وصار الاستشهاد بقاعدة 20 / 80 ) استشهادا كثيرا في واقع الإخوان التربوي ، وتلك القاعدة ملخصها أن من كل 100 شخص نجد هناك أن 20 منهم هم من يتميزون بالفاعلية والإنتاج .



فمن وجهة نظري ومما رأيت هناك حالة من الفتور الإيماني والدعوي تنتاب قطاعا عريضا من أبناء الدعوة ، ويجب تضافر الجهود لتقصي تلك الحالة وإبداء أسبابها وتلمس طرق علاجها .

وأول العلاج الاعتراف بوجود الحالة وعدم الهروب منها وعدم إنكارها لتحسين صورة الجماعة أمام أبنائها وأمام الرأي العام .

وثاني خطوات العلاج الوقوف على أسباب الفتور الرئيسية ومحاولة معرفة لماذا لا يتغير الفرد نحو الأفضل .

ومن البديهي عندما يكون الخلل حجمه كبير فلابد أن يتهم المربي نفسه ويتهم برامجه ، فإن كان هناك عيب في أحد الأفراد فمن غير الممكن أن تكون كل تلك الأفراد مصابة بالعطب والنقص الذاتي وأن تكون الجماعة تؤدي ما عليها تجاههم .

وهنا لي وقفة متأنية مع مراحل التغيير نحو الأفضل في النفوس :

1 – المعرفة : تكوين فكرة عميقة واضحة وصحيحة . ( ما هو ) ؟

2 – الرغبة والميل : في التحقق بتلك الفكرة أو الخلق أو العبادة ومن الممكن أن نعبر عنه بـــــ

( الإرادة ) . ( لماذا ) ؟

3 – القدرة : أن تتكون لديه القدرة على التحقق والتخلق . ( كيف ) ؟

إذن عندما ننشد تغييرا حقيقيا في النفوس ، عليك أن تبحث كمربي عن ماهية الشئ المراد تحققه ثم تبحث عن خلق الدوافع الحقيقية لاستمالة القلب نحوه ثم تنتهي بالكيفية أي القدرة على التحقق .

فعند التمحيص والتحليل للواقع التربوي للإخوان وتحليل المناهج التربوية لديهم نجد استعجال للثمرة واضح ، فهناك اهتمام بالكيفيات على حساب الماهيات والدوافع الحقيقية .

فعلاج الفكرة السطحية يكون بتعميقها وزيادة توضيحها وزيادة الرؤية المتعددة الجوانب لها ، وفي تلك الأمور يظهر عمل المتخصصين واضحا جليا عن عمل الهواة وأدعياء العلم ، فالله عز وجل من الممكن أن يعفو عن إنسان بجهله بأمر ما ولكن هل سيغفر له إدعاؤه العلم والمعرفة وتصدره لعمل لا يحسنه وتصدره لمسئولية هو ليس أهل لها ؟ .

وعلاج الإرادة بإيجاد دوافع حقيقية داخل القلوب نحو الأفعال والأخلاق ، وقد أبدع علماء التصوف والسلوك في هذه النقطة كثيرا ومفادها جلب كل نافع ومفيد للنفس من الفكرة المراد التحقق بها فتميل إليها النفس وترغبها وكذلك بيان أوجه الضرر والخسارة للنفس من أي فكرة المراد التخلص منها بهدف تكوين الكره والنفور داخل النفس منها .

وهذا كحب الطعام والرغبة فيه لان النفس تعلم يقينا أن فيه حياتها وفائدتها ونجاتها ( هل نتعب في إيجاد دوافع نفسية لدينا نحو الطعام ) وأيضا كالنفور والاشمئزاز من النار لأن النفس تعلم أن فيها هلاكها ونهايتها ( فهل تجد إنسانا يحب النار أو يهوى أن ينكوي بها ) .

ولا تتكون الدوافع الحقيقية بخاطر على القلب واللسان ولا هي داخلة تحت اختيار الإنسان كما أذيع من فقرات تذكر النوايا الحسنة وتعديدها قبل بدء الأعمال .

وفي هذا المعنى يقول الدكتور القرضاوي في كتابه النية والإخلاص : " وليست النية إذن خاطرة تطرأ على القلب لحظة ثم لا تلبث أن تزول ، فلا ثبات لها ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفسها ، ما لم تعمل به ، أو تتكلم به " وهذا يؤيد ما قاله بعضهم من أن النية ليست مجرد طلب ، بل الجد في الطلب . "

إذن تكوين الدوافع الحقيقية يحتاج إلى مجهود وفترة من الزمن لجعل النفس تميل وترغب في تلك الأفعال والأحوال وهذا لا ينفع معه الترديد باللسان أو استحضار معان لحظية ولو تواردت على القلب .

فالأعمال إذا تكون لها الدوافع الحقيقية تنجز من قبل الفرد بسهولة ويسر سواء أكان الفرد وحده أم في جماعة تنشطه وتحفز منه ، فحكمنا على تكوين الدوافع الحقيقية يجب ان يكون في حالة الفردية لا في حالة الجماعة .

فعلى سبيل المثال هناك الكثير من يقوم الليل في الليالي الإيمانية فقط وإذا انفرد في بيته لم يقم من الليل شيئا لأنه لم تتكون دوافع حقيقية للقيام فقيامه بين إخوانه لأنه بينهم وهناك تكليف بالقيام فهذا عمل بلا نية ، ومن يعترض على هذا الوصف يتخيل أنه أصابه عذر ولم يذهب للقاء إخوانه في تلك الليلة هل كان سيقوم مثلما قام بينهم ؟ ام لا ؟

عندما غاب اهتمامنا بالأفكار ونقائها ووضوحها وعمقها من ناحية وخلق دوافع حقيقية من ناحية أخرى وصببنا جل الإهتمام بالكيفيات للاستعجال في تنفيذ التكاليف اختلت عملية التربية وأركانها ، فكان بعد فترة من المضي في تلك الطريقة الفتور والتراخي الذي يضرب صفوف كثيرة من الإخوان ويقف أمامه القائمون على الجماعة بصفة عامة وعلى التربية بصفة خاصة مندهشون مكتوفي الأيدي لا يعرفون كيف يعالجون هذا الفتور .

فوجب علينا أن ننبههم على أن الخلل أتى أصلا من الإخلال بأركان عملية التربية واستعجالها ، فلابد من العودة إلى أهل الذكر في تلك المسألة والعودة إلى المصادر الأصيلة لعملية التربية والسلوك .

ذلك إن أردنا صفا قويا منتجا كيفا لا كما ، فالعبرة كما قلنا بالفاعلية وليس بالعدد .

تلك كانت همسات في أذن إخواني القائمين على التربية داخل الجماعة أسال الله عز وجل أن ينفع بها وأن يجعلها في ميزان حسناتي يوم القيامة



كتب د . عبد الرحمن مختار





على مدونة ( أنا من الإخوان ولكن )



http://anaikhwanbut.blogspot.com/



الثلاثاء، 12 يناير 2010

الإخوان والمنطق الدفاعي والتبريري

المتابع والمدقق لردود الكثير من الإخوان على المنتديات والمواقع وأيضا عند المناقشات المباشرة يلحظ أن هناك منطق دفاعي وتبريري وأحيانا كثيرة هجومي جاهز دائما .

فعند إثارة أي شبهة أو محاولة نقد أو مراجعة تجد في كلام الكثير من الإخوان هذا المنطق الدفاعي أو التبريري وكأنه محاولة لنفي وجود خطأ أو نقص عند الجماعة ، فالعقل غير مهيأ أو مستعد لأن يسلم أنه من الممكن أن تكون هناك أخطاء .

ووجود هذا المنطق عند التفكير يضع حاجزا كبيرا أمام العقل وأمام وظيفته السامية ، ووجود هذا المنطق عند الكثير من الإخوان يلغي بالتبعية قواعد أخرى للتفكير المنهجي كقاعدة التثبت والتحري وكقاعدة عدم بناء الآراء على الظنون والأوهام وقاعدة أن رأيي صواب يحتمل الخطأ .

وما يقوم به الكثير من الإخوان عند النقاش سواء على صفحات المنتديات أو المدونات أو حتى بينهم وبين بعض يسمى بالجدل العقيم ، فهو جدل بغيته وهدفه الانتصار الشخصي وإفحام الخصم وليس الغرض منه إظهار الحق ، ولو كان النقاش كان هدفه إظهار الحق لظهر ذلك في مفرداته ولكان النقاش يدور حول الفكرة المراد الجدل حولها لكن في معظم الأحيان النقاش يتحول إلى الأشخاص إما بالسب والشتم والتخوين للخصم وإما الدفاع وإظهار المحاسن وأحيانا القدسية للجماعة أفرادا وقيادة فهم خلفاء الله وممثلوه في الأرض وهم أصحاب الدعوة الربانية وما إلى غير تلك الألفاظ والتشبيهات العاطفية التي تجعل من الجماعة و أفرادها في مكانة بعيدة عن النقد والمراجعة ، ومن يقوم بنقدهم فهو المارق المعاند الحاقد العميل ....... إلى تهم كثيرة تفننوا في وصفها .

وللعلم يا إخواني أن المجادلة والنقاش والحوار لهم أصول وقواعد ، فذلك علم وضع قواعده علماء المنطق وسطروا في ذلك كتب كثيرة ، ومن خلال ما لاحظته وقرأته من حوارات وردود على المنتديات أو المدونات أو المواقع أزعم أن الكثير من الإخوان بعيدون جدا عن ضوابط وأصول علم النقاش والمناظرة .

وإليكم مثل واحد من القرآن الكريم يوضح كيف يكون الجدال وكيف تكون المناظرة ، يقول الله عز وجل : " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ، قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنت بشر ممن خلق ، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ، وإليه المصير " .
وفي هذه الآية الكريمة مثل يحتذى به في الجدل والمناظرة ، فرغم تطاول اليهود والنصارى على الله عز وجل بقولهم ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) إلا أن الله عز وجل لم يلجأ إلى منطق الدفاع والتبرير الضعيف ، فلم يقل هم ليسوا بأبنائي ، وإنما خاطبهم عز وجل بالحجة الدامغة والبرهان القاطع ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) هل لو كنتم أبناء الله فهل يحق لمن له حبيب أو ابن أن يعذبه ويصيبه بالمكروه ، فدحض حجتهم وأبطل دعواهم بالحجة والمنطق وليس بمنطق الدفاع والتبرير .

وللحقيقة حاولت أن أقف على أسباب تولد هذا المنطق الدفاعي التبريري وأحيانا الهجومي عند الكثير من الإخوان ، وكانت هذه بعض الأسباب من وجهة نظري :

1 – استخدام مفردات دعوية ترسخ في النفس القداسة والاستعلاء ( الجماعة الربانية – دعوة الله – أعداء الإسلام – الثوابت – الدعوات الأرضية ........ الخ )

2 – عدم وجود مناهج الاختلاف في الرأي وقبول الآخر وأصول النقاش والمناظرة داخل المناهج التربوية لأفراد الجماعة .

3 – عدم الشفافية والوضوح من جانب القيادة عند الحديث عن الكثير من القضايا الفكرية والتنظيمية واللجوء إلى المنطق التبريري الدفاعي .

4 – وضع الجماعة دائما في خانة الضحية التي يريد الكل أن يجهز عليها ويدمرها ويشوهها ، مع وضع الناقد أو المختلف دائما في وضع الجاني والعدو بما يستلزم إعلاء منطق الدفاع والتبرير .

5 – تضارب الأولويات بين التراجع أو مراجعة بعض أفكار الجماعة مع وحدة التنظيم وعدم شق صفه ، وانتشار ثقافة ( أن نتحد على الصواب خير من أن نفترق على الأصوب ) ، وحقيقة أنا لا أعلم هل لهذه المقولة أصل أم لا ؟ وأنا مع قليل علمي أعرف أن علماء المذهب الواحد كان بينهم صواب وأصوب وأن هناك من الفقهاء من عدل على شيخه ابتغاء الأصوب والأصح ، ولم يقولوا لوحدة المذهب أن نتنازل عن رأينا ليظهر المذهب برأي واحد ، فظهر في المذهب الواحد في مسألة واحدة أكثر من رأي .

6 – إطلاق معاني الثقة في القيادة وفي المنهج بدون ضوابط حاكمة ، والخلط بين المنهج الرباني الذي لا خلاف عليه وبين الأفكار البشرية والتي من الممكن أن تنقد وتراجع وتناقش . تلك الثقة الزائدة والمفرط في استخدامها جعلت من ينقد ومن يناقش يظهر بمظهر المحرف أو الخائن وكأنه حرف أو هاجم أصول الإسلام ، ومن الطبيعي أن ينبري الشباب المتحمس للدفاع عن أصول دعوته وهو يشعر في داخل نفسه أنه يدافع عن الإسلام وهو في ذلك مخدوع وواهم .


وللخروج من تلك الحالة المرضية التي تعيق العقل عن التفكير السليم والتحلي بمقومات الإبداع ، يجب تربية أفراد الصف على معاني الاختلاف في الرأي وقبول الآخر ودراسة أصول المناظرة والجدل والنقاش

والأهم من ذلك وأصله هو أن نتربى على أننا مع الحق وأن نتخلى عن منطق الهجوم على الآخر أو الدفاع والتبرير لما تفعله الجماعة أو تقوله والأولى من ذلك أن نظهر الحق ولو على أنفسنا ، فنحن في الأصل مدافعين عن الحق أينما كان وعلى أي لسان قيل .
" ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ، ولا تنسوا الفضل بينكم "

الإخوان والمنطق الدفاعي والتبريري

الأحد، 10 يناير 2010

عما فعله "حراس المعبد" في جماعة الإخوان !

عما فعله "حراس المعبد" في جماعة الإخوان !

د. حمدي المرسي 10-01-2010

جموع من الإخوان راعها ما بثته الفضائيات ونشرته الصحف عن عزم المرشد العام للإخوان المسلمين على تقديم استقالته, فيما يعد ذلك من وجهة نظري أعظم حراك إداري على صعيد أعلى هيئة في الجماعة منذ وفاة المرحوم الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام الأسبق .

فلأول مرة تتلقى جموع الإخوان أخبارا بهذا المستوى من الأهمية من وسائل الإعلام مباشرة وبعيدا عن وسائل التلقي المعتادة ولأول مرة تنكشف عباءة القداسة والعصمة في نظر الأتباع عن قيادات الجماعة ويرغمون أنفسهم على التعامل مع الحدث على أن أصحابه بشر يصيبون ويخطئون .

منذ رحيل الأستاذ عمر التلمساني دخلت الجماعة إلى تابوت التحنيط مختارة وعاد فكر المحنة للهيمنة وأضفيت هالات القداسة على من يكلف بمسؤولية وتكرست عبارات تضخيم الذات وتوصيف دعوة الإخوان بأنها دعوة الله وأن الجماعة تنفي خبثها , لكن ما ثبت أن أجواء القهر( غير المتعمد ) وممارسة الأبوية والوصاية في مواقع غير قليلة كانت تحمي الخبث ولا تنفيه .

فهل يتصور أن دعوة الإخوان المسلمين تلك الدعوة المباركة التي تخطت الحدود وبلغت الآفاق ووصلت إلى ما وراء البحار ومشارف سيبيريا والمحيط المتجمد، وتعلقت بها الشعوب لإنقاذها من القهر السياسي يقوم بعض الوصاة عليها بتقزيمها والعودة بها إلى الشرنقة.

هل يتصور أن الجماعة تعجز عن وضع دستور لها يتم التفاهم على أساسه وهل يتصور أن البرنامج الذي نشرته الجماعة يعبر عن الإخوان ,الواقع انه برنامج هزيل يعبر عن حالة اليأس التي انتابت مجلس الوصاية الذي أدمن العمل في غرف مغلقة لا ترى النور .

يُجمع أهل الاختصاص والمتابعون والمراقبون على أن المحن الخارجية التي تعرضت لها الجماعة ولازالت تتعرض لها قد زادت الجماعة قوة صلابة وتمرسا بينما محنتها الداخلية محنة التشرنق التي امتدت نحو 3 عقود هزت أركانها ودعائمها.

فدخولها إلى الشرنقة واستغلال مبدأ السرية الذي زاولت به بعض القيادات الهيمنة على الأفراد وعلى مستقبل العمل في فترة يقبل فيها المجتمع على الانفتاح قد بنى أسواراً عازلة بين المسئولين وقطاعات الشباب المتطلع وعزل الجماعة عن محيطها المجتمعي وإن كانت متواجدة فيه.

إن استمرار قطاع واسع من المسئولون على استخدام مفردات خطابية غير مفهومة في الإطار السياسي والمجتمعي يزيد من حالة العزلة ولا يزالون يظنون أن الدندنة بتلك العبارات التاريخية إنما هو من قبيل الأصالة , وهو في حقيقة الأمر ليس إلا غياباً في الماضي وتعطيلاً لعجلة الزمن ليتوقف عند مفاهيم معينة وليستنسخ اجتهادات قديمة لواقع متجدد وقد كان حري بنا وقد قطعنا 10 سنوات من الألفية الثالثة أن نعبِّر عن رؤانا بأفكار تجد طريقها إلى عقول الناس.

منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي وأصوات عديدة من الإخوان ممن أوتوا حسن النظر نادوا بتغيير خطاب الجماعة ليواكب متطلبات العصر ويحقق التواصل مع المحيط المجتمعي ويتم التحرك به وفق الأولويات التي تفرضها طبيعة المرحلة بسماتها السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية والإعلامية , فما كان جزاؤهم إلا النبذ والإقصاء .

هذا المناخ ساعد على تشكل ما يمكن تسميته " بجماعة حراس المعبد " التي انتشرت في الأقاليم والقرى وما يروعك أكثر أنها تخطت الحدود إلى بعض مناطق على الصعيد الإقليمي والدولي وازداد الأمر تعقيداً لما ساد في أوساط الجماعة من مفردات خطاب وقالب فكرى محدد وإن ذهبت لتتحدث بطريقة مختلفة فلا تعجب أن تجد أحدهم يتساءل في همس هل ذاك المتحدث من إخواننا .

المستجدات والمتغيرات التي حدثت كانت كفيلة بدق ناقوس الإنذار لتستحدث الجماعة خطاباً يناسب تطلعاتها تجاه المشاركة السياسية وليحقق تواصلها مع المجتمع والقوى الوطنية , لكن خطاب الدعوة ظل هو خطاب الدولة كما تجلى ذلك فى خطاب نوابها في البرلمان أو متحدثيها في الإعلام مما أكد أن هذه هي غاية قدرتهم وإدراكهم وأنهم قد وصلوا إلى نقطة التجمد وأنهم كلما أعجزهم التعاطي مع القضايا هربوا إلى الخطاب الدعوي الفضفاض في أنهم جماعة ربانية .

ومن المعلوم أن الجماعة تمددت وانتشرت أفقياً " زيادة الشحوم " في الوقت الذي تجمدت فيه أساليبها الإدارية عند حد مرحلة السبعينيات فعجزت عن المتابعة التي تضمن لها الجودة , مما ساعد على تغلغل وتمكن " جماعة حراس المعبد "وأدى بها إلى ما يشبه حالة " فقدان المناعة ".

وقد تجلى ذلك فيما حدث في قطاعات مختلفة من العالم كقطاع المغرب العربي الذي كشفت مشكلته عن ضعف دراية القيادة بطبيعة ما يجري هناك فانتدبت الجماعة مندوبا للجزائر ليس ملما ولا مدركا للأوضاع الداخلية وغاية معرفته بما يجرى في الخارج ربما حصلها من خلال رحلة حج أو عمرة وكل مؤهلاته أنه عضو مكتب الإرشاد , لذا لما تناقش مع قيادات الإخوان في الجزائر( حسب ما نشرته جريدة الشروق الجزائرية ) ظهر الفارق الشاسع بين من يفكرون بعقلية خطيب الجمعة ومن يفكرون بمنهجية وخبرات المشاركين في السلطة لنحو 10 سنوات ويديرون أكثر من 400 بلدية في الجزائر وتسند إليهم الرئاسة ملفات عربية غاية في العمق وفيهم وزراء مشهود لهم بالكفاءة استطاعوا أن يوازنوا بين انتمائهم الفكري وأدوارهم السياسية وبلغت نجاحاتهم في الأداء الحكومي ما دعا الرئيس " عبد العزيز بوتفليقة " أن يقول : تمنيت لو عندي 10 وزراء مثل وزير الأشغال ( من الإخوان في الجزائر ) وكان من تداعيات ذلك تزايد شروخ التصدع ووقوع الانشقاق.

هذا التردي في التعاطي مع القضايا القطرية تجلى اكثر من تسريبات نسبت لبعض الإخوان في الجزائر قالوا كيف لأناس لا يملكون حرية السفر من بلدهم يقررون في شأننا ونحن شركاء الحكم وإذا تكلمنا يستمع إلينا وتجربتنا في المنافسة على موقع الرئاسة لازالت حديث المهتمين .

إن هذا الجمود نتج عنه هروب شباب الإخوان إلى القارة السابعة أو فضاء المدونات , هذا الشباب الذي رفض أن يتعفن في داخل الشرنقة ووجد فرصته التي ينفس فيها عن أفكاره وطموحاته بعيداً عن مسئولين لا يشعرون بحركة الزمن , فبعض الشباب يشكو همومه فى المدونة يقول تغيبت عن منطقتي نحو 10 سنوات ولما عدت وجدتهم على ما تركتهم عليه لم يتغير سوى ظهور تجاعيد في وجوهم واشتعال رؤوسهم شيبا مع ترديدهم لنفس المفردات ونفس الأفكار ونفس الهمس كأن الإنسان في متحف للأحياء وشاب آخر يقدم مشروعا لتنمية الثقافة والوعي وتفعيل المشاركة إلى المسئول فيقول له إن الجماعة لا تترك صغيرة ولا كبيرة إلا تفكر فيها ومع إلحاح الشاب على معرفة مصير مشروعه يقال له هل أديت صلاة الفجر اليوم!.

يتساءل المجتمع أين فقهاء وخطباء وعلماء وخبراء ومفكري وكتَّاب وحكماء وسياسي الأخوان ؟ إن ما يعيبنا أننا إذا طُرحنا هذا السؤال تجد من يشير إلى أناس معروفين بثاقب فكرهم وحسن تبصرهم ولكن حينما يكون هناك ترشيح لمواقع لا يرد ذكرهم بل يتطاول البعض ويصرح بأنهم ليسوا من الإخوان وهذا ما كانت تمارسه ( جماعة حراس المعبد ) من إقصاء وتصفية للكوادر التي تطرح رؤى تختلف مع قناعتهم، علما بأن هذه الكوادر التى اقصيت حققت نجاحات في قطاعات لم يبرز فيها الإخوان كالإعلام الفضائي ومراكز الدراسات والبحوث والتنظير الفكري والسياسي ومنظومات التربية العصرية ومجالات التنمية.

بلا مواربة ظهر عجز الجماعة في إدارة ملف الإصلاح فقد ترسخ في قناعة بعضهم إما أن تكون في الواجهة ( إبراز الهوية ) كما يسميه البعض أو لا نشارك , وكم عارض بعضهم مشاريع لكون القائمين عليها أرادوها جامعة لكل تيارات المجتمع كي تؤتي ثمارها.

نواب الإخوان في البرلمان أدوا واجباً خطابياً بارعاً لكنهم كانوا مجرد أصداء وردود فعل للمستهلكات اليومية (النقاب – المرور – قش الرز – أنفلونزا الطيور والخنازير) ولم يقدموا تصوراتهم عن قضايا المصير والقضايا الكبرى (عقم السياسة التعليمية - التحولات المناخية –كشف حقائق تصدير الغاز لإسرائيل – مافيا صناعة الدواء والأمصال – السطو على ممتلكات الدولة ).

هذه الحقائق وغيرها لا يُراد منها إحراج أحد بقدر ما تعكس حالة الجمود التي تدعو الحاجة الملحة إلى التغيير والتطوير واستحداث أساليب ووسائل تضمن الشفافية وتحد من القمع الحركي والفكري.

يعز علينا ويؤلمنا أن تكون جماعة بحجم الإخوان المسلمين أسسها الرجل القرآني الفريد، كما وصف في الغرب، بتاريخها الناصع وما أحدثته من تغيير للخريطة الإقليمية والمحلية ولم يعد بمقدور أي نظام دولي أو إقليمي أو محلي أن يتجاوزها في حال أي تسوية سياسية , يؤلمنا أن يتجاوزها الزمن وتتخطاها حركة التاريخ في لعدم إدراكها للمتغيرات الدولية، لكن رغم ذلك نراهن على أن ما حدث مؤخراً من الأستاذ مهدي عاكف المرشد العام الذي صدع زواره من الأخوان بكلمة ستبقى للتاريخ شاهدة قائلا " لا تخافوا من التغيير ".

إن القدرة على استرداد الفاعلية ممكن لكن عند عودة الوعي لابد من تدبر ? ... قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ? (الكهف 19) لأنهم سيجدون أنفسهم يرطنون بكلمات تفصلهم عن الزمن هنيهة كلمات لا يفهمها الساسة والمفكرون والمثقفون , ومع ذلك لا ضير .... فإذا ما خلصت النوايا، وتجردت النفوس من الهوى، وانحسر " حراس المعبد " وتبددت وثنية تقديس الأشخاص والوسائل، وتجاوزنا فكر النشأة والتأسيس ودلفنا إلى فضاء المشاركة والواقعية، وتركنا اجترار المحنة إلى فضاء العافية، وأخذنا بمبدأ التناصح ونبذنا التناطح، وانتقلنا من دائرة الدموع إلى دائرة الشموع، ومن الإحساس بالألم إلى تنسم الأمل، وتبرأنا من الورع الكاذب وتصارحنا وتكاشفنا وثرنا على التدين السطحي الذي لا تلامس بشاشته القلوب، ومن الانكفاء على الذات إلى الانفتاح الحضاري، في إطار مشروع وطني جامع سنجد أنفسنا وضعنا أقدامنا على عتية التغيير كما نجحت صوفية سعيد النورسي وفتح الله كولن فى تغيير وجه تركيا التي عادت لتتناول راية الريادة على هدى مبين.

لا أظن أنني أغرد بمفردي بل هنالك أصوات وهمسات الآلاف من الإخوان وأملها ألا يكون مثواها التابوت .




المدير الأسبق للندوة العالمية للشباب الإسلامي

مسرحية " سلملي على المنهج "

هذه الرؤية الساخرة لما يحدث من خلل فكري وتربوي بين بعض أفراد الصف والتي جائتني من أحد الإخوان على بريدي الإلكتروني
تؤكد أن هناك أفراد غير راضية عن المستوى الفكري والتربوي داخل الجماعة .
وبعيدا عن التجريح والتخوين أرجو أن يتم النقاش حول ما تدلل عليه هذه الرؤية الساخرة وهل هذا موجود فعلا داخل أسر الإخوان فعلا أو بعض منه أو غير موجود بالمرة ؟

وأترككم مع هذه المسرحية والتي مكونة من فصل واحد وسماها صاحبها " سلملي على المنهج "


سلم لي على المنهج
(كارثة من فصل واحد)

المشهد الأول: بيت النقيب في اجتماع الأسرة الأسبوعية وقد جلس الأفراد (مطيع وواثق وثابت) في حجرة الصالون
النقيب: اقرأ بعض الآيات يا أخ مطيع.
مطيع يقرأ آيات من سورة التوبة حول المنافقين من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله ورغبوا بأنفسهم عن نفسه، والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم.
النقيب: صدقت ربنا وبلغت رسلك وإنا على ذلك من الشاهدين، حد عنده خواطر؟
الأفراد (مطيع وواثق وثابت): .......
النقيب: معقولة؟ دي الآيات ثرية ومليئة بالمعاني ياللا طلعوا خواطر، واللا أكلف أنا؟ ياللا يا أخ واثق اتفضل.
واثق: فعلا حقيقة بجد والله هذه الآيات جميلة جدا، سبحان الله لما تتأمل فيها تلاقيها كدة بتدخل جواك سبحان الله زي ما تكون عايشها والقرآن ينزل كدة سبحان الله وتلاقي نفسك كدة بتسارع للطاعة والاستجابة، سبحان الله والله العظيم جميلة جدا.
النقيب: الأخ ثابت، اتفضل.
ثابت (يرتبك): ماعنديش حاجة معينة.
النقيب: مافيش حاجة في الإخوان اسمها أخ ما عندوش خواطر، القعدة هنا بالخواطر زي القهاوي اللي القعدة فيها بالمشاريب، عمرك ما قعدت على قهوة؟ (يضحكون جميعا) هي الخواطر صعبة؟ طب داحنا في السجن ماكانش ورانا غير الخواطر داحنا قلنا خواطر تملأ ييجي عشرين كتاب تفسير، القرآن تدبر ياخواننا والتدبر عايز قلوب مش عايز مشايخ، تعايش مع الآيات وقول، كانوا في السجن بيسألوني ازاي نتدبر القرآن؟ قلتلهم مافيش اسهل من التدبر، اقرأ الآية 3 مرات بصوت خاشع، تعايش مع المعاني كويس، اللي ييجي على بالك قوله وما تخافش وهيكون هو معنى الآية.
ثابت (وقد تشجع): الواحد لما سمع الآيات لقيتها فعلا جميلة جدا وبجد تسري في الإنسان كدة وتحوله لطاقة كبيرة جدا في خدمة هذا الدين، والله لو الناس تعرف أد إيه إحنا في معية الله والقرآن كدة بيننا يتلى غضا كما أنزل، والمعاني الربانية تتولد فينا كدة زي ما نكون عايشين المواقف وهي بتحصل سبحان الله، نسال الله الثبات ونحمد ربنا بجد يا جماعة على نعمة الجماعة، والله ياخواننا صدقوني لو قعدنا العمر كله نشكر ربنا على نعمة الجماعة مش هنوفيها حقها، بجد يا جماعة الحمد لله الحمد لله الحمد لله.
النقيب: جزاك الله خيرا يا أخ ثابت، شفت بقى كنت هتحرمنا من الخاطرة الجميلة دي؟ أهو اللي أنت قلته ده ما يعرفش المفسرين يقولوا زيه. عارف ليه؟ عشان أنت متعايش مع الآيات، إنما المفسر لا ، المفسر تحكمه القواعد وتمنعه من التحليق مع المعاني وإدراكها على وجهها الصحيح.. فعلا والله ياخواننا بجد صحيح الواحد لما يسمع القرآن من اخواننا وهم بيقرأوه بيحس فعلا بأنه سامع الآيات القرآنية بجد، ويشعر كأنه بينزل علينا الآن والنبي صلى الله عليه وسلم بيننا بجد والله ياخواننا، الحمد لله على نعمته، عارفين ياخواننا لو نترك الذنوب؟ كانت الملائكة تصافحنا في الطرقات، آه من الذنوب ياخواننا ، اللهم اغفر لنا وثبتنا. ياخواننا القبر مظلم وصعب، والقبر آه القبر الق... (يطرق ويضع يديه على وجهه ويتهدج صوته ثم يبكي)
الأفراد: مطرقون في صمت وخشوع.
النقيب: متأسف ياخواننا والهن ماقدرتش امسك نفسي أصل الآيات مؤثرة جدا هو ده فعلا منهج الرسول ، المنهج الرباني اللي بيعمل في الواحد سبحان الله فعلا الواحد لما يسمع الآيات كدة بيبقى ....
مطيع (مقاطعا بحماسة): أيوة والله فعلا يا فندم جزاك الله خيرا على التذكير ، اذكر موقف كنا فيه في جنازة واحد من أساتذتنا الكبار وكان في سكينة والموقف كان مهيب جدا، السكينة كدة والمهابة على الجنازة، والأستاذ المرشد بنفسه كان موجود وكل أعضاء المكتب وكان الموقف كدة فيه سكينة ومهابة سبحان الله، الموت بجد والله يا خواننا لو نتذكره بس، سبحان الله فعلا قضية الحياة والموت هي القضية الكبرى.. قضية كدة بتهز الكيان الإنساني فتجده سبحان الله بيبقى زي ما يكون سامع كدة الآيات بجد فعلا .. هي آيات القرآن صحيح، والله ياخواننا القرآن معجز، معجز في مشاعره وأحاسيسه وهو بيصور كدة الإنسان كأنه يرى ويسمع همسات الكون، تحس إن الكون كله بيناجيك ويخبرك بأسراره.. آه ياخواننا والله لو بس الناس تعرف، وعلى فكرة الربانية جزء لا يتجزأ من فهم القرآن، لأنه فعلا لما تحس كدة انك بتقرأ القرآن بتحس زي ما يكون سبحان الله كدة .. القرآن، القرآن والله ياخواننا ده كنز عظيم يفرط فيه الناس وهي لا تشعر انه كلام ربنا، كلام ربنا يا إخوة هو اللي بيولد في الإنسان كل طاقاته وكل شيء والله يا خواننا صدقوني.. ما من شيء في نفسك إلا والقرآن هو اللي ولده جواك.
واثق: أيوة يا أخ مطيع جزاك الله خيرا، ملحوظة دقيقة ولفتة جميلة، الإخوة الكبار ذوي السبق والتاريخ لما بيكونوا بيننا الواحد بيحس لما يشوف حد منهم كأنه سبحان الله شايف قدامه نموذج فريد، بجد والله الواحد لما بتسلم عليه بس كأنك أخذت شحنة إيمانية عجيبة تنقلك نقله سبحان الله فعلا زي ما ربنا بيقول من الظلمات إلى النور. الواحد فعلا ساعتها بيحس زي ما يكون بيصافح واحد من الملائكة أو الصحابة، يا سلام لما ياخد ايدك في ايده ويسلم عليك سبحان الله مع انك شخص تافه جدا بالنسبة له وممكن ما يسلمش عليك ولا يبصلك أصلا لكن سبحان الله تلاقي الواحد فيهم بيسلم عليك كدة وهو بيقوللك ازيك يا أخ فلان والله ياخواننا كأن الواحد بجد بيمر بنقطة تحول سبحان الله وحاله كله يتغير ويبقى قريب، باحس إني قريب والله ياخواننا، قريب جدا جدا والله العظيم.
النقيب: انتهت فقرة الخواطر وجزاكم الله خيرا على المشاركة، حد عنده أخبار؟
ثابت: آسف يا أستاذنا بس كنت عايز أستأذن بدري عشان الدكتور هينبه تنبيهات مهمة بخصوص الامتحان قبل المحاضرة الأولى بكرة يعني حوالي الساعة 7.
النقيب (مبتسما ابتسامة العليم ببواطن الأمور) : إنت قلت التنبيهات دي الساعة كام؟
ثابت: 7 صباحا، يعني لازم أصحى الساعة 5 و.....
النقيب: لا تخدع نفسك ولتكن واضحا يا أخ ثابت، أنت لا تستأذن بسبب التنبيهات لأن التنبيهات بكرة مش الليلة، أنت تستأذن لتنام، لتكن واضحا مع نفسك يا ثابت: النوم أهم واللا الدعوة؟ وبعدين هل تعلم من الذين ورد بشأنهم كثرة الاستئذان في القرآن؟ المنافقون!
ثابت (ناظرا للنقيب بفزع): أنا كنت أقصد ...
النقيب (مقاطعا): أنا عارف قصدك يا أخ ثابت أنا فقط أقصد تنبيهك، حرصك على الدعوة واضح ومعروف. لا تغضب مني يا بني فما أردت إلا تنبيهك.
واثق (مبتسما بخجل) : وهل يغضب الابن من أبيه يا أستاذنا؟ وينحني على يده ويختطف عليها قبلة سريعة.
النقيب (ساحبا يده بسرعة قائلا بخشوع): أستغفر الله، سامحك الله يا ولدي لم تفعل هذا ؟
(ثم تغيرت لهجته للجدية قليلا) ركزوا معايا شوية يا إخوة، في حاجة مهمة جدا نازلة من فوق .... طبعا انتم عارفين إن دعوتنا دعوة ربانية على منهج النبي صلى الله عليه وسلم وعلى القرآن والسنة، لا بنجيب حاجة من عندنا ولا من عند الشرق ولا الغرب. ومنهج الرسول كان عدم الاعتماد على أشخاص مهما كانوا ، عارفين الصحابي اللي كان حمامة المسجد ثم صار من المنافقين؟ والله ياخواننا الشواهد كثيرة جدا على إن الاعتماد على الأشخاص هو الخطر الرئيسي الذي يصيب الدعوات الربانية. ده طبعا معنى مش هنختلف عليه.
المعنى الثاني اللي لازم دايما ننتبه له إن الثبات أهم حاجة، آه والله ياخواننا على الثبات ده، لو الواحد بس غفل عن نفسه، في لحظة، لحظة واحدة ياخواننا والواحد يلاقي نفسه في صفوف المنافقين. والتاريخ مليان: أحمد السكري قديما وأبو العلا ماضي حديثا، طبعا انتم ياما سمعتم القصص دي كلها من إخوانكم الكبار، يا سلام على إخوانكم الكبار دول .. كنوز والله.. التوريث ياخواننا.. أنتم ترثون منا دعوة هي أغلى علينا من كل غال .. حاولوا تلحقوا تشربوا منا المعاني الربانية قبل ما تنظروا حولكم فلا تجدونا وتأخذكم المنزلقات والمنعطفات ولا ينفع الندم وقتها.
المعنى الثالث بقى إن الحكاية مش حكاية مناصب ولا ألقاب، تلاقي عندنا الأخ العامل وتلاقي عندنا اللي عامل أخ سبحان الله كل الأنواع موجودة ولك أن تختار لنفسك، واحنا الحمد لله اخترنا وبايعنا (يسهم بعينيه إلى أعلى) ربنا يتقبل منا، ربنا يثبتنا.
الحاجة الرابعة بقى (وبدأ صوته يتخذ لهجة جادة وخطيرة) انتم أكيد سمعتم عن الأحداث الجارية في مكتب الإرشاد والأزمة الموجودة في ...
الأفراد في أصوات متداخلة مقاطعين النقيب: أزمة؟ أزمة إيه؟ لا طبعا لا توجد أزمة هذه شبهات الإعلام الفاسد والدكتور محمود عزت جزاه الله خيرا رد عليها ووضح الرؤية في مقالته التي ...
النقيب: يا خواننا أكمل كلامي بس، الحقيقة كان في أزمة فعلا لكن ....
الأفراد متحمسين: مستحيل طبعا إحنا لسنا طلاب دنيا ولا مغانم حتى تحدث بيننا الأزمات، هذا كلام الدكتور حبيب ، لم ولن تحدث في الجماعة أزمات...
النقيب (مقاطعا وقد علا صوته): ياخواننا اصبروا ، الدكتور حبيب هو نفسه سبب الأزمة!
واثق: الدكتور حبيب؟ إزاي؟ ده نائب المرشد، وحضرتك قلتلنا إننا لازم نثق في جميع أعضاء مكتب الإرشاد ثقة كاملة وإنه في أي خلاف يبقى رأي المرشد ونائبه دايما صح، يبقى ازاي نائب المرشد يسبب أزمة؟
النقيب (وقد بدأ يتوتر): يا خواننا أنا ماقصدش أزمة بالمعنى اللي فهمتوه أنا قصدي كان هناك أحداث أدت لاختلاف في وجهات النظر وهذا أدى بدوره لحدوث حاجات أدت لبعض الأشياء، انتم طبعا عارفين ان مصلحة الدعوة فوق كل شيء وكل واحد بتكون له وجهة نظر بيكون له فكرة معينة عايز يوصلها لكن ساعات الأفكار لا تكون على منهج واحد فتؤدي لبعض الأحداث وتنتج عنها أحداث أخرى لكن طبعا منهج الجماعة ثابت في عرض الفكر وتقييمه على ضوء القرآن والسنة وفي النهاية مصلحة الجماعة ورأي اخواننا فوق كل اعتبار. القضية يا خواننا ليست في الأزمات ولا في الأفكار القضية قضية منهج في الأساس ونحن جماعة ربانية عالمية الهدف منها التمكين لدين الله في الأرض ولذلك تلاقي الأفكار والمناهج الأخرى لا تصمد، والله ياخواننا لا تصمد للحظة واحدة أمام الفكر الواضح، الأستاذ البنا لم يترك شيئا إلا وبينه بيانا واضحا شافيا، ولكن أحيانا الفكر يكون له رؤية وصاحبه له أسلوب ولذلك يكون الفيصل هو الثقة في المنهج والثقة في القيادة هي العاصم من كل سوء والثبات في الأول والآخر هو الفيصل والمحك الحقيقي، فالأزمة ليست في شيء من الأشياء ولا في أي أمر من الأمور ولكنها في الثبات، والتضحية أهم شيء ولكن كم من مضح لم يثبت وكم من ثابت لم يضح، وفي النهاية تبقى الكلمة الأخيرة والسمع والطاعة لرأي الجماعة. الواحد يقول رأيه زي ما هو عايز لكن طالما اخواننا بحثوا الموضوع من كل الجوانب ورأوا المصلحة في اتجاه معين يبقى خلاص انتهينا القضية أصبحت منتهية ونضرب تعظيم سلام لرأي الجماعة فورا ويبقى السمع والطاعة هم الفيصل في الموضوع هم مقياس العقيدة الصادقة والإيمان الراسخ. ولذلك ياخواننا قضية الثقة وقضية المنهج وقضية التربية هي الأصول الثابتة التي تقوم عليها هذه الجماعة التي قامت لنصر هذا الدين، ولكن أحيانا يكون للتوجهات تأثير مختلف في اتجاه تطبيق الفكرة مش في اتجاه الفكرة نفسها يعني مثلا عندك قصة الحديبية مع قصة بني النضير، لو بصينا كويس في أحداث بيعة العقبة وشفنا أن الرسول كان له منهج محدد فيها نجد نفس المنهج بالظبط في غزوة بدر في مسالة توزيع الغنائم وفي مسالة قتل الأسرى، وأيضا في صلح الحديبية لما اختلفوا في اختيار الشخص الذي يتولى التفاوض مع قريش وقع الاختيار أولا على سيدنا عمر لكنه أبدى رأيه وقال وجهة نظره وماخافش ، الرسول بص في كلامه لقاه معقول راح على طول مكلف عثمان، إيه المشكلة؟ الرسول أخطأ وعمر أصاب، هو ده الإسلام ياخواننا، هي دي الدعوة.. وفي توزيع غنائم حنين نجد برضه المنهج المحدد هو اللي أنهى المسألة. الأزمات تحدث ياخواننا ولكن المنهج الرباني هو الذي يقدم على كل الفرعيات والخلافيات. هذه المعاني دقيقة جدا ياخواننا، دقيقة لدرجة أن العلماء الكبار لم يستطيعوا فهمها ولكنك تجد الأخ العادي من الإخوان تربى عليها من ساعة ما كان في ثانوي عندنا. ولذلك الناس كانت تتعجب منا ومن الكلام اللي كنا بنقوله والفهم الدقيق اللي عند أصغر واحد في الإخوان ومش عند العلماء الأزهريين المعممين، أمال، أنتم فاكرين الدين عمم؟ الدين فهم، الدين منهج، وكمان دراسة السيرة ياخواننا، دراسة السيرة هي التي تجعلك تفهم الأمور وتدرك المنهج وراء كل قضية مثارة على الساحة، نحن نتميز بالفهم، افهموا الكلام ده ياخواننا واحفظوه: (الإخوان جماعة ربانية يميزها عن كل من سواها الفهم الصحيح للإسلام) الأستاذ البنا كان بيحفظنا الجملة دي صم لدرجة كنا بنقولها وراه، كنت تلاقي الأخ منا حافظ الجملة دي أكتر ما هو حافظ قل هو الله أحد، وكمان السيرة كلها فهم، ولذلك تجد العلماء والمشايخ يفهموا الدين كله لكن ييجوا على السيرة ويقفوا . ليه؟ عشان السيرة هي اللي بتوضح المنهج، والمناهج كثيرة والإمام البنا اختار لنا المنهج الرباني ووضحه وشرحه في الأصول العشرين. وعشان كدة ياخواننا الأصول العشرين هي أهم شيء ، فهم الأصول العشرين واستيعابها هو المنهج الحقيقي الذي يجعلك تفهم قضية الفكر مع قضية الوسائل التي تسير بها المناهج في هذه الأرض، هذه الأرض التي صممنا على أن نريها الإسلام الصحيح، إسلام أبي بكر وعمر وخالد وسعد. ولذلك ياخواننا الأزمات حدثت وتحدث، حدث بين الصحابة نفسهم أزمات، حدث بين العلماء أزمات. ولكن تبقى قضية منهج الفكر هي القضية الكبرى. فاهمين ياخواننا. ربنا يجزي الأستاذ البنا خير على توضيحه لقضية المنهج وعلى الأصول العشرين التي حسم بها جميع القضايا الخلافية في كلمات يسيرة سهلة لم يستطع أكبر العلماء أن يأتوا بمثلها ووقفوا أمامها منبهرين. شفتم بقى أهمية المنهج؟ المنهج اللي خلى الأستاذ البنا وهو مدرس ابتدائي يعلم كبار العلماء ما لم يعلموه من أمر الدين ويقول كلام ماقالوش ولا واحد منهم.
الأفراد (صامتين) ينظرون في إعجاب وانبهار إلى النقيب وقد عقدت الدهشة ألسنتهم فلم ينطق أحد.
مطيع: سبحان الله يا أستاذنا فعلا ساعات القضية تبقى واضحة جدا قدام الواحد لكن ما يشوفهاش وسبحان الله لما حد يذكره بيها كأنه أول مرة يسمعها لكن فعلا قضية الفكر وقضية المنهج أهم حاجة فيهم فهم السيرة وقراءة الأصول العشرين. والله ياخواننا فعلا الثبات على المنهج أهم حاجة في سير الدعوات الربانية. وأستاذنا جزاه الله خيرا بيشرح السيرة كويس جدا ويربط بين أحداثها المختلفة ويعرضها بشكل الواحد عمره ما سمعه من قبل. بجد يا أستاذنا والله جزاك الله خيرا جزاك الله خيرا.
النقيب (مطرقا في تواضع) وإياكم يا أخ مطيع، جعلني الله خيرا مما تظنون وغفر لي ما لا تعلمون.
ثابت (بإعجاب) : لا بجد والله يا أستاذنا يا ريت تقوللنا على أحسن كتاب نقرأ منه السيرة عشان نفهمها ونعرف نستنبط منها المعاني والعبر التي تمكننا من فهم المناهج والأفكار التي تحدث بيننا على الساحة الفكرية والدعوية وتأصيلها من الناحية الشرعية والحركية. أرجوك لا تبخل علينا.
النقيب: ولا كتاب، الدين مش كتب، الدين مش مشيخة ولا دروشة، أنا لم أقرأ ولا كتاب في السيرة ومع ذلك فاهمها أكتر من اللي حافظينها من الكتب، والله يا إخوة ما فيش حاجة زي صحبة الأستاذ البنا، تغنيك عن القراءة في الكتب والتلمذة على المشايخ، تلاقيه لما يتدبر في أحداث السيرة ويعرضها سبحان الله، يتكلم في الأحاديث والآيات ويربطها بأحداث السيرة بطريقة لا يمكن تسمعها من عالم أزهري، طريقة كدة تخليك تحس ان المواقف كدة زي ما تكون.. فاهمني يا أخ ثابت، المواقف تلاقيها كدة قدامك زي ما تكون سبحان الله، فعلا الفهم أهم حاجة ، الفهم يا اخواننا مش كل عالم فاهم، لا، الفهم ده نعمة، مش ربنا بيقول (ففهمناها سليمان)؟ أهو الأستاذ البنا ربنا فهمه زي ما فهم سيدنا سليمان، الأستاذ البنا كان ملهم، آه والله ملهم، الحمد لله، الفهم يا إخواننا الفهم.
واثق: شكل حضرتك كنت عايز تقول حاجة وإحنا قاطعناك.
النقيب: ايوة صحيح يا أخ واثق فكرتني. هو احنا كنا بنقول ايه؟
واثق: كنا بنتكلم عن الأزمة.
النقيب: آه، الأزمة يا اخواننا حدثت ولكن مش بالشكل التقليدي للأزمات، لا ، إحنا أزماتنا مش زي أزمات الأحزاب وأهل الدنيا، أحنا أزماتنا في إطار الفكر والمنهج، نحن جماعة واحدة لا خلاف بيننا على شيء، متفقين في كل كبيرة وصغيرة، ولم يحدث بيننا خلاف ولن يحدث ، المسالة كلها إن اختلاف الفكر قد يؤدي لأشياء مختلفة ولذلك فقضية المنهج تجدها أهم حاجة في العلاقة بين الجماعة والفرد. علاقة الجماعة والفرد علاقة مركبة جدا نوجزها في ثلاث كلمات: السمع والطاعة والثقة. رأي الجماعة لابد أن يحترم ولذلك فأخونا الدكتور حبيب أخ فاضل وكريم وصاحب فضل وتضحية ولا نزكيه على الله، ولكنه لم يدرك قضية المنهج، هو تصرف وكأننا جماعة عادية تتمسك باللوائح وتطبقها دون وعي بقضية المنهج، فاعتقد أن رأيه صحيح طالما وافق اللائحة. لائحة ايه؟ اللائحة دي شيء لمجرد التوضيح والاسترشاد لكن في النهاية رأي الجماعة هو الفيصل، القضية جنة ونار، حق وباطل، مش تقوللي لائحة!! ولذلك الأستاذ المرشد لما طلع في التلفزيون وقال طظ في مصر والناس اللي مش فاهمين دعوة الإخوان زعلوا، زعلوا من إيه؟ ايوة طظ في مصر وطظ في أي رباط غير رباط العقيدة، ده إيمان وكفر هي لعبة؟ وعشان كدة الأخ الصادق تلاقيه ثابت، راسخ، مستقر، ما يتهزش من موقف زي ده لأنه يقيس الأمور بمقياس العقيدة، مش بمقاييس الدنيا، وبعدين لائحة إيه اللي بيتكلم عليها أخونا حبيب؟ هو الصحابة لما كان الرسول يأمرهم بأمر كانوا بيبصوا في لوائح؟ اللوائح دي تحكم أبناء الدنيا مش أصحاب الدعوات، هو الدين عايز لائحة؟ هي طاعة ربنا عايزة لائحة؟ المهم الدكتور حبيب اعتقد إن وجود شيء في اللائحة معناه وجوب تطبيق هذا الشيء في كل الأحوال، واعتقد أننا طالما وضعنا حاجة في اللائحة يبقى احنا نرجع لها في حسم كل خلاف، وده طبعا غير صحيح لأن القضية قضية منهج زي ما قلتلكم.
الأفراد (صامتين) ينظرون إليه بوجوم وعلى وجوههم علامات البلاهة الشديدة.
النقيب (بلهجة العالم الكبير الذي يصبر على ضعف تلاميذه ويعيد الشرح لهم) : هاوضح لكم تاني يا خواننا. القضية في منتهى البساطة، إحنا جماعة تتحرك في مجتمع، صح؟
الأفراد: يهزون رؤوسهم موافقين.
النقيب: وهذا المجتمع من الطبيعي أنه مجتمع جاهلي يقدس الغرب ويتخذه قبلة يتوجه إليها صباحا ومساء. صح؟
الأفراد: صح.
النقيب: ومن الأعراف التي تحكم المجتمع الغربي قضية اللوائح، وقد لجأوا إليها لأنهم مشركون، غير مسلمين، محرومين من المناهج الربانية فكيف يديرون حياتهم؟ كان لابد لهم من اللوائح والقوانين والتشريعات الوضعية. وأما نحن فلسنا بحاجة إلى كل هذا لأن عندنا المنهج الرباني واللائحة الإلهية في كل صغيرة وكبيرة (ما فرطنا في الكتاب من شيء) صح؟
الأفراد: صح.
النقيب: طيب إحنا مستغنيين عن اللوائح ولكن المجتمع مازال محملا ببقايا ورواسب الغرب ومناهجه البعيدة كل البعد عن التصور الإسلامي، عن حقيقة الدين في جوهره، عن قضية الحق والباطل، ونحن نريد أن نتحرك في المجتمع ونقوده للإسلام، فكان لابد أن نستعمل بعض المصطلحات التي يطمئن إليها المجتمع ولكن بيننا وبين أنفسنا نحن لنا منهجنا الرباني الواضح. ولذلك فقد وضع الإخوان اللوائح لتكون خطابنا العام، وأما خطابنا الخاص الداخلي فنحن أصحاب البيت، هو أنت تسمح لحد غريب يقولك في بيتك حط دي هنا وحط دي هنا؟
(الأفراد يهزون رؤوسهم ببطء وثقة وعلى وجوههم علامات الفهم والإدراك)
النقيب: طيب، شفتم بقى القضية بسيطة ازاي؟ أهو الدكتور حبيب فاتته هذه القضية فخلط بين الخطاب العام والخاص ولذلك تمسك باللائحة في مواجهة القرار، ولذلك كان لا بد من تنبيهه.....
مطيع (مقاطعا بحماسة): أيوة انا كدة فهمت، حضرتك تريد أن تقول إن حتى لو نائب المرشد تخلى عن المبادئ فمنهاجنا عدم الاعتماد على أشخاص وأننا نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال وأن كل واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، والدكتور حبيب رغم أنه أستاذنا ونائب المرشد ونحبه إلا أن الحق أحب إلينا منه.
النقيب: نعم، بالظبط يا أخ مطيع، ما شاء الله عليك، ربنا يحميك، لما تتخرج ياواد هاجوزك البت أسماء بنت ابني بس هي لسة في اللفة، يا دوبك على ما تتخرج، واللا انت مش باينلك تخرج، أنت يا واد بتسقط ليه؟ هاهاهاهاهاها، ولذلك فالإخوة قرروا أنهم يجنبوا الأخ الدكتور حبيب شوية لغاية ما الأزمة تعدي وبعدين هيقعدوا معاه ويفهموه بالراحة وكل شيء يرجع لأصله ويرجع أستاذنا من تاني، بس لغاية ما الإخوة يقولوا ممنوع تماما قراءة أي كلام للأخ حبيب ولو من باب المعرفة لأن الدكتور له أساليبه ال....(يطرق النقيب مفكرا في اللفظ المناسب) قصدي له أساليبه ال... هو طبعا أستاذنا ولكنه في هذه المرحلة يستعمل أساليب لا يفهمها الشخص العادي، وإخواننا خايفين عليكم من الفتنة وانتم عارفين الفتنة خطيرة وإخواننا يخافون عليكم من الهوا الطاير فما بالكم بالفتنة؟ ولذلك فاخوانكم حرصا منهم عليكم من الفتنة والبلبلة أصدروا هذا القرار الواضح: ممنوع منعا باتا قراءة كلام الدكتور حبيب وترديده أو مشاهدة أحاديثه في وسائل الإعلام أو حتى مجرد التفكير فيه، لأن الفكرة تولد الهم والهم يأتي بالعزم كما قال ابن القيم ثم يتحول العزم إلى فعل وهنا تكون الطامة الكبرى يا إخواننا فلذلك نرجو تنفيذ هذا القرار طاعة لله ولإخوانكم.
ينظر في ساعته ويتثاءب.
واثق: إحنا أثقلنا على حضرتك النهاردة.
النقيب: أبدا أنا وقتي ملك للدعوة تتصرف فيه كما شاءت، وأنتم الدعوة، أنتم الأمل، أنتم زاد هذا الدين ورجاله الذي يتحقق على أيديهم النصر إن شاء الله. اتفضلوا.. ويقف مشيرا إلى الباب.
ثابت: نصلي العشا؟
النقيب: لا ابقوا صلوا في البيت بقى الوقت اتأخر، وعلى كل حال اطمئنوا احنا أخرناها لما هو أهم، مصلحة الدعوة يا إخوة فرض والصلاة جماعة سنة والفرض يقدم على السنة، هذا هو الفهم الصحيح، لابد من الفهم يا إخوة، أنتم الأمل والله العظيم، أنتم أمل هذه الأمة، ربنا يحميكم، في أمان الله، مع السلامة. (يتقدمهم للباب الخارجي للشقة)
يفتح الباب ويصافحهم واحدا واحدا ويشد على أيديهم.
المشهد الثاني: (في طريق العودة)
ثابت: والله ربنا من علينا بهذا الأستاذ الفاضل، شفتم استشهاداته بالسيرة وربطها بالواقع؟ شفتم شرحه لقضية المنهج، شفتم ربطه بين قضية المنهج وبين السيرة وفعل الرسول عليه الصلاة والسلام؟
مطيع: أنا أكتر حاجة عجبتني مسألة الخطاب العام والخطاب الخاص. وبعدين شفتم الحتة بتاعة ابن القيم؟ بصراحة جامدة أوي، أحسن حاجة فيه إنه بيخلط التربية بالدعوة بكلام الأئمة بفقه الحركة بشكل يخلليني أحسن إني حمار بالنسبة له.
واثق: طبعا، وبعدين مسالة اللائحة، تتصور انا كنت هاتخدع في حكاية اللائحة دي لما أعلنت، إنما كدة وضحت، صحيح والله هو الصحابة كانوا سألوا الرسول على لوائح؟ هي طاعة ربنا عايزة لائحة؟ واللا يمكن دخول الجنة هيكون باللائحة. هاهاهاهاها
ثابت (وصوته يختلط بضحكه): أيوة يا أخي الحمد لله الذي عافانا، (يكف عن الضحك وينقلب صوته للجدية): لكن الدكتور محمد حبيب ربنا يهديه، أنا عايز أقول حاجة ياخواننا: مش معنى إن الشيطان قدر يضحك عليه في مسالة اللائحة انه مش أخونا، احنا مش عايزين نبطل ندعيله انا رأيي كمان اننا ندعيله اكتر من الأول ان ربنا يهديه للحق ويعيده الينا.
مطيع (بحسم): إن يرد الله به خيرا فسيعود والدعوة لا تتوقف على أحد.
واثق: مش ملاحظين حاجة؟ الأسرة النهاردة كانت ربانية أوي ومليانة خواطر وشحنات إيمانية.
مطيع: أيوة معاك حق، أنا لما أكون راجع من قعدة مع حد من إخواننا الكبار بابقى ماشي زي ما كون طاير في الهوا، فعلا جيل رباني لا يعوض ولن يتكرر.
واثق: لا والأستاذ دمه خفيف جدا شفتم حتة القعدة بالخواطر والقهاوي دي؟ سكر والله هاهاهاهاه انا كنت هاموت من الضحك.
ثابت: نعم، صحيح والله، خبرته واسعة جدا بالحياة، حتى القهاوي عارف الناس بتقول فيها إيه، أحسن حاجة فيه اجتماع الربانية بالخبرة الحياتية بالدعابة والمرح، نموذج فريد بجد.
مطيع (ضاحكا): بس هو نفضلك وكان هيقوم عليك بالشبشب لما كنت عايز تمشي.
ثابت (مبتسما بشيء من الحرج): كانت الدنيا هتاخدني واسيب الأسرة عشان أنام بدري وأنا اللي كنت فاهم إني سايبها عشان المحاضرة المهمة، سبحان الله تلبيس الشيطان وحيله لا تنتهي، لكن الأستاذ ربنا يجزيه خير فوقني، ربنا يجزيه خير بجد والله ربنا يجزيه خير.
واثق ومطيع: آمين، أحسن حاجة فيه إن حبه لنا وحنانه علينا لا يمنعه من الشد علينا لما نحتاج لقرصة تفوقنا.
المشهد الأخير: كل منهم في بيته
مطيع يصلى العشاء نقرا، واثق ضاعت منه مذاكرة الليلة رغم أن لديه امتحانا مهما في الغد، ثابت يستيقظ في التاسعة صباحا لتفوته تنبيهات الدكتور، وينهر والدته لأنها لم توقظه مبكرا.
الأم: لما انت عايز تصحى بدري بتسهر برة لانصاص الليالي ليه؟
ثابت: يواصل الصراخ في وجه أمه: ضيعتي علي حاجات مهمة!! ليه كدة بس أنا عملتلك إيه؟ هاسقط، والله العظيم هاسقط بطريقتك دي، ماحدش يقوللي انجح السنة دي ....
الأم المسكينة (تتركه يواصل صراخه الهستيري وتنصرف وهي تضرب كفا بكف وتسائل نفسها بصوت مسموع): لو أعرف بس إيه اللي شقلب حال الواد ده كدة؟؟
انتهت
مع تحياتي
(إخواني)


الأحد، 3 يناير 2010

أنوار الفطنة تبدد ظلمات الفتنة

لقد جائتني رسالة من الدكتور ماجد رمضان

على بريدي الإلكتروني وبها خواطره حول الأزمة الأخيرة


وها هو نص الرسالة

بقلم دكتور : ماجد رمضان
أنوار الفطنة هذه هي موازين وأضواء نمشى في أضوائها ونقيس أقوالنا وأفعالنا ومواقفنا بها ، ترد الشبهات وتجليها وتبرد الشهوات وتسكتها، إذا لف الغبش والضباب مجتمع الدعوة فاتهمت النيات وتعارضت الكلمات وتناقضت المواقف وبدت الأزمات ، فقد كان ابن تيمية كثيرا ما يصف المؤمن بأنه صاحب ( بصر نافذ )عن ورود الشبهات و(عقل كامل ) عند حلول الشهوات وركز على وجوب غلق هذين البابين اللذين تقتحم الفتن منهما حصن الجماعات : الشبهات والشهوات .
ونحن بحاجة لوقفة حقيقية نرى فيها مواضع أقدامنا ونحدد مواطن هاماتنا ونعيد صياغة أعمالنا ومواقفنا في ضوء وهدي هذه الأنوار .

النور الأول : إذا كنت ستزرع على الدوام ازرع الأفكار .
صحة اى مجتمع أو جماعة تتكون من ثلاثة مكونات هي : الأفكار والأشخاص والأشياء ، ويكون المجتمع أو الجماعة في أوج صحته وعافيته حين يدور الأشخاص والأشياء في فلك الأفكار الصائبة ، ويصابان بالمرض والاعتلال حين تدور الأفكار والأشياء في فلك الأشخاص ، و ينتهيان إلى حالة الجمود والوفاة حين تدور الأفكار والأشخاص في فلك الأشياء ويتحدد منهج الفهم والتفكير وسلم القيم الذي يسود ويوجه أنماط التفكير والاهتمامات والسلوك بين الأفراد على العلاقة بين هذه المكونات . ( مالك بن نبي)
و العقول العظيمة دائما تناقش الأفكار ، والعقول العادية تناقش الأحداث ، في حين أن العقول الضيقة هي التي تناقش أفعال الناس .وانطلاقا من هذا التصور فبإمكاننا أن نراجع مواقفنا وأفكارنا ولنكن صرحاء !ولنصارح أنفسنا ولنقل الحقيقة ! ولا ندفن رؤوسنا في الرمال ،فإن الأزمة الراهنة قد دقت أجراس الخطر ، فالكثير اهتم بالأحداث محللين ومنظرين ، وبالأشخاص قيل وقال ، والقليل الذي اهتم بالأفكار تناولها بسطحية مخلة وضبابية مانعة من الرؤية الشاملة الصحيحة لأبعاد الأزمة وخطورتها على مستقبل الجماعة .

النور الثاني : لا تهربوا من خشونة كلامي فما رباني إلا الخشن في دين الله عز وجل .
كلمة قالها عبد القادر الجيلانى ونقولها لأبناء الدعوة ( القادة والجنود ) كما قال : لا تهربوا من خشونة كلامنا وصراحته ، فإن الكلمات الدبلوماسية لا تنفع في تربية الدعاة ولا أساليب الإيماء بل هي الإشارة الصحيحة الواضحة فحسب تربى بلا اعتداء وجرح .
وأولى للداعية المسلم في أوقات الفتن والأزمات أن يكون صريحا مع نفسه .
فمن لم يحاسب نفسه في أموره يقع في عظيم مشكل متشابه
فلابد أن تكون هذه الأزمة هزة إيقاظ لكتف غافل من لسان صريح في كلامه محدد في إشاراته
فقد اعتاد البعض النظر إلى الناقد ـ أيا كان هدفه أو أسلوبه ـ بعين الريبة والشك, ومن ثم التهميش والإهمال،وفي المقابل نجد البعض الآخر يتغاضون عن الأخطاء ويحرصون على تسويفها والتماس المعاذير لدفعها والسكوت عنها،بل قد يتجرأ بعضهم في الدفاع عنها وتحويلها إلى مكاسب وحسنات
لكن القرآن الكريم يربينا على منهج آخر, إنه منهج المراجعة والمحاسبة وتدارس الأعمال بكل صدق وتجرد, ومن ثم المصارحة والمكاشفة التي تتلمس مواضع النقص, والعيب, لا تضخيمها, ولكن من أجل تدارك الحال وتقويمه.
فالله عز وجل عاتب نبيه ـ وهو سيد ولد آدم وقائد المسلمين الأعظم ـ في غير آية, قال الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى, أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى, وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى, أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى, أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى, فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى, وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى, وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى, وَهُوَ يَخْشَى, فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: 1ـ10].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[التحريم:1].
وقال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾[التوبة:43].
غاية في الوضوح والصراحة التي تبني الثقة في نفس القادة والجنود
والمصارحة في بيان الأخطاء تعني: التناصح وتسديد المعايب بمحبة ورحمة وإشفاق وهي تعني أيضًا القرب من الناصحين المخلصين لا ازدرائهم وتهميشهم لمجرد أنهم ينصحون لله عز وجل.
ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال: «المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقطع الوسخ إلا بنوع من الخشونة لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة، ما نحمد معه ذلك التخشين» الفتاوى (28/53).

النور الثالث : لا تصادر عقلي .
الاستبداد صفة من صفات التسلط وفرض الرأي بالقوة، وهو يقتضي تكميم الأفواه، وقطع الألسن فلا تتحدث إلا في مجال محدود لا تتجاوزه وبطريقة معينة لا تتغير،بل قد ينطلق الاستبداد أحيانًا ليحجر على أفكار الإنسان وخواطره، بل أنفاسه وزفراته، والاستبداد الدعوى - إن صح التعبير - ممارسة تربوية ذات أبعاد خطيرة، تقتل ملكات الإبداع والإنتاج، وتعطل الطاقات .
أرأيت إلى ذلك القائد الذي لا يُحب أن يَسمع رأيًا غير رأيه، ولا يرضى باقتراح أو نصح من أحد، فإذا تكلم، فمن حوله سكوت، وإذا أشار فالناس له تبع، أتباعه ومريدوه حقهم السمع والطاعة، في المنشط والمكره، في العسر واليسر، في الخير والشر..!
مفهوم الشورى عنده إخبار الآخرين بما يرى فإن وافقوه فبها ونعمت، وإن خالفوه، فالشورى عنده مُعلمة لا ملزمة.
هكذا توأد الأفكار، وتخنق الأصوات وتحطم ملكات الإبداع والإنتاج، وينـزوي أصحاب الأفكار والملكات بعيدًا عن ساحة العمل الدعوى لأن الساحة لا تسعهم وقادتهم.
ومن ثم فنحن في حاجة شديدة إلى ترويض ومتابعة؛ لكي نتعلم كيف نقدر الرأي الآخر، وننجو من مصادرة عقول الآخرين.
ولقد كان السلف الصالح والأئمة الأخيار يختلفون فيقول قائلهم: «جائز ما قلت أنت، وجائز ما قلت أنا، وكلانا نجم يهتدي به فلا علينا شيء من اختلافنا» سير أعلام النبلاء (10/617).

النور الرابع : لا تعن على دم إخوانك .
يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعط جعيل بن سراقة الضمرى رضي الله عنه شيئا من المال وهو المهاجر المجاهد وأعطى من هو دونه وظنها سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه إهمالا لجعيل وأراد توثيقه : قال سعد : فأسررته قلت : مالك عن فلان ، والله إني لأراه مؤمنا ؟ قال : أو مسلما
فذكر ابن حجر أن هذا الحديث يتضمن من الفقه:قال : أن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان
ثم قال : وقد يتعين إذا جر الإعلان إلى مفسدة .
ولما طلب من أسامة بن زيد رضي الله عنه أن يكلم أمير المؤمنين حول أمر قال : إنكم لترون أنى لأكلمه ؟ إلا أسمعكم أنى اكلمه في السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه
فاخبرهم أنه لم يغفل عن ذلك وأنه كلمه ولكن في السر خوفا أن يستغل أهل الأهواء كلامه فيتخذونه ذريعة على الفتن والمفاسد
وهذا عبد الله بن عكيم يلخص تجارب المخلصين فيقول : لأعين على دم خليفة أبدا بعد عثمان
وكانت كلمة مثيرة حقا فما لهذا الشيخ البريء المؤمن الذي لم يرفع في وجه عثمان سيفا أبدا يتهم نفسه ويلومها على ما لم يفعل ؟وينبري جريء لسؤاله :
يا أبا معبد : أو اعنت على دمه ؟
فيقول : إني أرى ذكر مساوئ الرجل عونا على دمه .
فهو يتهم نفسه بجزء من دم عثمان لأنه رأى بأم عينيه كيف ما ظنه وقام في نفسه من انه الحق قد أدى إلى استغلال الرعاع له حين يتكلم به وكيف طوروه حتى قتلوا عثمان رضي الله عنه
إن الجميع اليوم مدعون إلى ملاحظة المغزى العظيم المهم لقصة عبد الله بن عكيم وتجربته الصادقة
بل أن عمر رضي الله عنه قد أسرع هو نفسه قبل غيره إلى الامتناع عن بحث الأمور العامة أمام الجمهور الواسع الذي قد يضم المغرضين السذج واقتصر على إسماع من يظن فيه الفقه والنبل فحسب وذلك حين أراد أن يقوم في مكة أيام موسم الحج خطيبا ليفند لغطا لغط فيه بعض الجهال حول بيعة أبى بكر رضي الله عنه وأحداث يوم السقيفة فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه :
يا أمير المؤمنين : لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس وأخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير وأن لا يعوها وان لا يضعوها على مواضعها فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على موضعها
فلاتكن ساذجا فإنها تحريشات من حولك لسفك دم الدعوة احذر والتفت إلى نفسك وصن سمعك وسارر بنصيحتك ولا تعن بلسانك ، إنه دم الدعوة .

النور الخامس شرط بشرط
أنها أنوار وواجبات مزدوجة بين القائد والجندي يجب أن يحرص كل منهما على الاهتداء بها : قيادة تسبق وجندي يتبع .
(قال له موسى : هل اتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا ؟ قال : إنك لن تستطيع معي صبرا ، وكيف تصبر على مالم تحط به خبرا ؟ قال : ستجدني إن شاء الله صابرا ولا اعصي لك أمرا )
علم ووعى وخبرة واستيعاب ومكاشفة للقادة واستبصار وسمع وطاعة للجندي
انه شرط بشرط

وهكذا تمضى الجماعة مهتدية ومستعصمة بأنوار الفطنة فلا تضل ولا تهوي في ظلمات الفتنة

السبت، 2 يناير 2010

روشتة الخروج من الأزمة .... أزمة الإخوان


روشتة الخروج من الأزمة .... أزمة الإخوان


كتب : د . عبد الرحمن مختار :

لاشك أن جماعة الإخوان تمر بأزمة حقيقية على مستوى القيادة والصف ، ولا شك أننا كلنا كإخوان نريد لهذه الأزمة أن تزول لأن جماعة الإخوان هي أمل مصر بل والأمة كلها في التغيير ، تغيير أوضاع القهر والظلم والاستبداد .


فالجماعة في نظري تمر بحالة من حالات الإعياء الشديد ، أصابتها بالركود والجمود ، وهي تحتاج إلى وصفة علاجية ( روشتة ) للشفاء من هذه الحالة المرضية لتسترد عافيتها وتعاود القيام بدورها المنوط بها على أكمل وجه وأحسن حال .


فهذه بعض الأفكار من وجهة نظر العبد الفقير يضعها بين يدي قيادته لعلها تصل إليهم ويفكروا فيها ويأخذوا بها أو ببعضها فيكون النفع بإذن الله تعالى .

على المستوى الفكري :

1 – العمل على زيادة تقبل الآخر والمخالف ، وتقبل النقد الفكري للجماعة ، فالشراكة في مساحة الأفكار أوسع من الشراكة في مساحة التنظيم .


2 – عدم الخلط بين ما هو بشري وما هو إلهي في مساحة الأفكار ، فنحن جماعة مدنية ذات مرجعية إسلامية ، ونحن نصوغ مشروع حضاري أفكاره مستمدة من الإسلام ، ولا يجب أن تكون هناك قدسية لأي فكرة أو أي شخص مهما كان ( قدسية تمنع من النقد والتحليل والمراجعة ) .


3 - عدم النظر للمخالف على أنه حاقد وعميل أو جاهل ، فتلك النظرة الضيقة بعيدة عن الإسلام وأخلاقه وتصور جماعة الإخوان على أنها جماعة المسلمين ، فلا فائدة من نفي هذه التهمة طالما ظللنا نتعامل مع المخالفين لنا سواء في الأفكار أو في المواقف والأفعال بهذه النظرة الضيقة


4 – إعادة النظر لكثير من المفاهيم التي قد تلتبس في الفهم أو في التطبيق على الكثير من أبناء الدعوة ، كالربط بين شمول الإسلام كفكرة ونشرها وتوعية الناس بها ، وبين شمول التنفيذ والتطبيق .
فالفرق كبير ، وليتيقن الإخوان أنهم لن يقدروا أن يحملوا هم هذا المشروع الحضاري وحدهم ، فليس من المطلوب أن نقوم بدور دولة أو مجتمع بأسره بجميع طوائفه وخوض مجال التطبيق في كل مجالاته ، فالإخوان لن ينوبوا عن المجتمع في كل شئ ،فقدرات وكفاءات الإخوان لا تسمح بهذا ، كما أن هذا غير صحيح من حيث المبدأ والأصل ( ولي تفصيل في هذه النقطة في مقال منفصل إن شاء الله تعالى ) .


5 – النقطة السابقة تنقلنا إلى مبدأ احترام ( أهل الذكر ) أي المتخصصين في معظم المجالات ، وخصوصا في المجالات التي تفتقد الدعوة فيها لوجود الكفاءات ذوي الخبرة ، ففي هذه الحالة يكون اقتحام المجال هو عبارة عن مناطحة أهل التخصص ، وهذا أيضا من فهمنا الخاطئ لمبدأ الشمولية ، فليس معنى الشمول أن أقتحم مجالا لا أحسنه .


6– نشر ثقافة الحوار والنقاش وإبداء الرأي ، وعدم الضيق بالنقد على كل صوره وأشكاله ، ونحاول أن نتخطى عقبة الشأن الداخلي والانغلاق ، فالإخوان شأن عام فهي جماعة من المجتمع وإليه ، وحديثهم حديث عام وهم جماعة لكل الأمة من حق الأمة أن تنقدنا وتراجعنا فضلا عن إعطاء حق النقد والمراجعة لأبناء الدعوة وإحسان الظن بهم أنهم حريصون على الدعوة كما يحرص كل فرد في هذه الجماعة عليها .


على المستوى التربوي والأخلاقي :


1 – عدم التغافل عن القصور التربوي والأخلاقي الذي بات ملحوظا في قطاعات عديدة في صفوف الجماعة ، وهذا ليس تجنيا أو ظلما .
فعند النظر إلى الجانب التعبدي والشرعي ، وكذلك كم المخالفات في المعاملات والأخلاق والمشاكل السلوكية التي تملأ لجان التربية تعرف قدر القصور وحجم السلبيات .


فهناك فئات داخل الصف تعيش على الانتفاع والتربح من شبكة العلاقات بين الإخوان ، وهناك مشاكل مالية ومنها ما وصل إلى المحاكم و القضاء ، وهناك المشاكل الأسرية والأخلاقية تستغرق الساعات الطوال بل الأيام في حلها وإيجاد مخرج لها .


2 – النظر إلى المناهج السطحية وقلة المتابعة والتي أدت بدورها إلى الضعف التربوي والسلوكي ، والعودة إلى الاهتمام بتربية الصف تربية حقيقية على منهج علمي أصيل ، والمكتبة الإسلامية المعاصرة مليئة بما يعين على ذلك ، فأين ذهبت كتب الشيخ القرضاوي والغزالي والبوطي وسعيد حوى وغيرهم ؟


3 – العمل على إعادة روح الأخوة والحب وحسن الظن وسعة الصدر ، تلك الأخلاق التي محتها كثرة اللقاءات الإدارية وتعقيدات الهياكل فجعلت عملنا أشبه بعمل الشركات الجاف الخالي من المشاعر .


4 – الاهتمام والحرص على كل فرد داخل الجماعة وعدم التضحية به والتخلي عنه وإبعاد باقي الصف عنه لمجرد إبداء الآراء ومحاولة المراجعة والمحاسبة ، فتلك أخلاق هي بعيدة عن أخلاق الإخوان وأخلاق الإسلام .
والابتعاد عن سياسة ( الباب يفوت جمل ) و ( هي الجماعة كده واللي مش عاجبه يمشي ) و ( الجماعة لا تقف على أحد مهما كان ) .......الخ .


5 – محاسبة المخطئ و المنحرف من بين أبناء الصف وعدم المداراة عليه بحجة سمعة الإخوان والدعوة ولنتمثل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها "
ولاسيما إبعاد هذا الشخص وعزله إن كان من أصحاب المسئوليات والمكانة بين الإخوان ، والانحراف إذا ظهر ولم يحارب ويستأصل أوجد لنفسه شرعية بين الإخوان ، وإن حدث هذا فسنظهر بمظهر المتناقض بين أفراد الصف وفي المجتمع وهذا يفقدنا مصداقيتنا .


6 – أدعو للنظر إلى الكيف وليس إلى الكم كما قال الأستاذ الراشد ، فلا نعجب بكثرة الأعداد ولكن المهم هو النظر للمستوى الحقيقي للأفراد تربويا وسلوكيا أولا ثم النظر لمستواهم الحركي والتنفيذي .


7 – وعند التصعيد يجب الاهتمام أولا بمعايير حقيقية واضحة للمستوى التربوي والأخلاقي قبل التنظيمي والحركي ، فهناك اهتمام أكثر من اللازم عند التصعيد بالتشديد على مبادئ الثقة والطاعة والحركة حتى بات المربون لا ينظرون لغيرها بنفس عين الاهتمام ، وهذا حتى لا يتصدر من هم أقل دينا وخلقا للصفوف الأولى ولا ننسى أن الدعوة تنجح وتحقق ما تبغي من أهداف أولا بقربها من الله ثم بتقديم أسباب النجاح بعد ذلك ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) .


8 – العمل على إعادة مكانة العقل وإبراز دوره في تنمية الشخصية المسلمة ، فالعقل هو الذي ينير الطريق ويفتح آفاق المعرفة والإدراك ، فهناك غيوم واضحة على دور العقل داخل المنظومة الإخوانية الحالية ، فالعقل يفكر ويحلل ويقول رأيه في كل ما حوله دون قيود أو ضغوط ، وهو قبل ذلك يتحرى ويتثبت وفق أصول علمية ومنهجية واضحة ، وهذا الدور العظيم لا يتأتى من إطلاق معاني الثقة والطاعة دون قيود وحدود واضحة تحكمها وتوجهها التوجيه الصحيح .


على مستوى اللوائح والإجراءات :


1 – الاهتمام بتعديل اللوائح التي تنظم عمل الإخوان ، وفصل الجهة التنفيذية عن الجهة التشريعية في الجماعة ويكون ذلك على كل المستويات في الجماعة وليس على مستوى مجلس الشورى العام ومكتب الإرشاد فقط .


2 – إيجاد جهة قضائية تفصل في الشكاوي والمنازعات وعند اختلاف الآراء ، وأن تمارس هذه الجهة عملها دون ضغوط أو قيود .


3- إيجاد آليات المحاسبة والمراقبة والتغذية العكسية داخل الجماعة بمختلف مستوياتها ، وإيجاد طريقة مناسبة للاستفادة من الاقتراحات الموجودة والمراجعات سواء على مستوى الأفكار أو الأشخاص أو اللوائح .


4 – دعم اللجان الفنية في الجماعة بمزيد من المتخصصين في كل مجال للخروج من عمل الهواة إلى عمل المحترفين الذي يكون فيه الكلمة العليا للتخصص وللعلم ، ومنع سيطرة الجهات الإدارية في الجماعة على عمل المتخصصين داخل اللجان الفنية .

ختاما كانت هذه بعض النصائح والرؤى أضعها بين يدي إخواني للبت والفصل فيها والعمل بها إن وجدوا فيها خيرا ونفعا .
فكان هذا من باب حرصي على هذه الجماعة ، وأملي أن تحدث تغييرا حقيقيا في المجتمع وتنقله خطوة نحو الإصلاح المنشود فنحوز بهذا التغيير الثواب العظيم ونحقق لأمتنا الفائدة الكبرى في النهوض بمشروعها الحضاري .