
لقد طلب مني الأخ كاتب المقالة نشرها في المدونة
ولبيت طلبه لتعم الفائدة
تابعت في الفترة الأخيرة عدة حوادث – ومثيلتها الكثير – نشرت في الجرائد و هي تثير الذعر والقلق على حالة الشعب المصري و بها مؤشر الهبوط الواضح لمنظومة القيم والأخلاق والتي تحكم تصرفات وسلوكيات الشعب .
تابعت في الفترة الأخيرة عدة حوادث – ومثيلتها الكثير – نشرت في الجرائد و هي تثير الذعر والقلق على حالة الشعب المصري و بها مؤشر الهبوط الواضح لمنظومة القيم والأخلاق والتي تحكم تصرفات وسلوكيات الشعب .
فهناك عصابة تدخل المسجد وتقتل شابا داخل المسجد ويدخلون عنوة بأحذيتهم وبنادقهم الآلية ( لتثبيت المصلين ) ويجهزون على الشاب ويقتلوه في الحال ، ولا أدري هل لم يأتي على خاطرهم أن هذا الشاب مهما فعل فهو في صلاته مع الله عز وجل المنتقم الجبار .
وآخر يذبح والده وهو ساجدا في المسجد في محافظة المنيا – يدخل المسجد وينتظره حتى يسجد ويذبحه ذبح الخراف ، ألهذا الحد وصل الاستهزاء بقدر الله عز وجل في قلوب العباد ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وحادثة أخرى لا تقل فداحة ولا جرما عن سابقتيها – فتاة من بولاق الدكرور تتهم والدها باغتصابها طيلة سبعة سنوات وتحمل منه سفاحا مرتين ومعها طفلة عمرها خمس سنوات تتهمه وتقول أن هذه الطفلة من سفاحها مع أبيها ، ويتهم أبوها شقيقيها بالزنا معها ويقول أن الطفلة بنت أحد أشقائها ..... لا أدري أي الكلمات تكون مناسبة لوصف تلك الجريمة .
وحوادث أخرى كثيرة على شاكلة ما سبق تملأ الصحف والمواقع كل يوم ، ولا يمر يوم إلا والشعب المصري في حالة أسوأ من ذي قبل .
والسؤال المهم والمتبادر للذهن هو – ماذا حدث للشعب المصري ؟ ما هذه الحيوانية والشهوانية والتي ضربت قطاعات عريضة منه ؟ مذا حدث لهذا الشعب الجميل الطيب ؟
من المسئول عن تدهور منظومة القيم والأخلاق لدى الشعب ؟ ومن أصاب فطرة الإنسان المصري في مقتل ؟ وكيف أصبح الشعب تحكمه شبكة المصالح المادية البحتة وشريعة الغاب ( القوي يأكل الضعيف ) ؟
لماذا أصبح من يملك شيئا أو على مسئولية يتحكم في الآخر ويستغله ويقوم بابتزازه لتحقيق منفعة شخصية ؟
من المسئول عن كل هذا الاهتراء والتدني الأخلاقي والقيمي والفطري ؟
1 – النظام :
أول المسئولين عن هذا وأهمهم وأعظمهم جرما في حق الشعب هو النظام – نظام مهنته الفساد والإفساد منهجه إذلال الشعب وامتهانه وتضييع كرامته داخليا أو خارجيا ( عندما تقف في مصلحة حكومية تحاول أن تستخرج ورقة رسمية تقابل بالإذلال والابتزاز والتعطيل هذا فضلا عن ضياع حقوقنا وضياع كرامتنا كشعب عريق على المستوى الخارجي ولنسترجع قصص مأساة العاملين خارج مصر ) .
هذا النظام يمشي على منهج ثابت وخطى مدروسة للعبث بمقدرات ذلك الشعب المعنوية والمادية ، زواج غير شرعي بين السلطة والمال ، عمالة واضحة للنظام الأمريكي والصهيوني وتقديم يد العون لهم على طبق من ذهب ، سروقة ونهب ما يستطيعون وما تحت أيديهم من ثروات البلاد وهم المفروض أنهم أمناء عليها ( فحاميها حراميها كما يقولون ) ، نظام نشر اليأس والأحباط بين أفراد شعبه فانتشرت حالات الإنتحار لإنهاء تلك الحياة المهينة وأخيرا تحت سقف الجوع والجهل والفقر ضاعت أبسط حقوق المواطن من مسكن مناسب ووظيفة تسد الحاجة ومن غذاء وكساء وعلاج ( وهذه الحقوق لا تصل لملايين من أفراد الشعب المصري ) .
لم يكفهم تضييع الحقوق المادية والمعنوية فتجرأووا على أعز ما كان يملكه المواطن المصري فعملوا على تشويه منظومة القيم والأخلاق والتي كانت تميز شعبنا عن غيره من الشعوب وتلك القيم والأخلاق كانت صمام أمان لهذا البلد العريق عن طريق نشر كل ما هو بذئ وردئ ومنحط من ثقافة وفن وإعلام .
والتدني الأخلاقي والقيمي نتيجة طبيعية لسنوات وسنوات من الفقر والجهل والتجويع وضياع الدين من النفوس .
2- المؤسسات الدينية الرسمية :
لعبت الحكومة دورا خطيرا عن طريق تشويه الخطاب الديني والتضييق عليه وطمس دورمؤسسات الدولة الدينية وإضعاف ثقة الناس فيها وجعل تلك المؤسسات الدينية الرسمية وظائف يتم التحكم فيها عن طريق الحكومة للتضييق على أي محاولة لإعادة الريادة لتلك المؤسسات ، فأين الأزهر منارة العلم والأخلاق وشرف الأمة على مدار قرون ؟
لمصلحة من إضعاف الأزهر وهو مرجعية المسلمين في العالم بكامله ؟ وهل نتخيل شعب يعيش بدون توجيه ديني عقائدي سليم كيف يكون حاله ؟
فمن يربط الشعب بالله سبحانه وتعالى ؟ ومن يقيم الدين صافيا خالصا في نفوس الناس ؟ ومن ينشر بين الناس الأخلاق الفاضلة ويدعم قيم الحب والتعاون والإحسان والتنية وعمارة الأرض ؟ ومن يقف بالمرصاد لكل ما هو سئ ويحاربه في بداياته ويستأصل شأفته قبل أن يستوحش ويلوث فطرة العباد وأخلاقهم ؟
أين علماء الأزهر من ذلك التحول الأخلاقي والفطري ؟ وأين خطابهم الديني المعتدل الوسطي ؟ لماذا تركوا الساحة لدعاة خطابهم سطحي يهتم بالمظاهر ويلعب على وتر العاطفة لتحقيق مصلحة مؤقتة ؟
وللأسف الشديد الكثير من الإسلاميين وفي قلبهم جماعة الإخوان وقعوا في الفخ الذي أعدته الحكومة لإضعاف الخطاب الديني الرسمي الأصيل والذي وإن بقى قويا له مكانته بين الناس لم تتلوث فطرتهم ولا ساءت أخلاقهم ودينهم .
للأسف تحت وطأة إضعاف الأزهر قدمت تلك الحركات نفسها بديلا عنه ، وبدلا من أن تحشد الناس داعمة علماء الأزهر ورجاله الثقات ويعيدون ثقة الناس فيهم لمواجهة ما تنفذه الحكومة من مخطط دنئ لإبعاد الأزهر عن واقع حياة الناس .
فصار دعاة تلك الحركات وخطباءهم هم من يفتون الناس ومن يوجههوهم وتولوا مسئولية تربية أفرادهم بدلا من حثهم على التلقي والتربية على يد علماء الأزهر لثبات علمهم ورسوخه .
وعندما قدمت تلك الحركات نفسها كبديلا للأزهر – هي بذلك لعبت دورا غير دورها وقمات بوظيفة ليست من وظائفها ، فالإمام حسن البنا قرر أن الإخوان المسلمين هيئة عاملة في خدمة الدين ولا تتعرض للأمور الفقهية ولا لشرح تفاصيل الدين فهذه مهمة ودور المؤسسات الرسمية ، فالإخوان دورهم المساعدة في تبليغ ما يقرره العلماء أو حشد الناس دعما للأزهر والدعوة إلى التلقي عن علمائه في أمور الدين .
دلائل على صدق وجهة نظري :
- خطاب الاتهام والتجريح في مشايخ الأزهر ودار الإفتاء ( على أساس أنهم علماء السلطان )
- انظروا للمقالات التي كتبت عند تولى شيخ الازهر الدكتور أحمد الطيب منصبه كشيخ للأزهر ( مقالات موقع إخوان أون لاين )
- تفعيل الفتاوى على موقع الإخوان بدلا من التشجيع على أخذ الفتوى من مكانها الرسمي وبث الثقة في نفوس الشعب وأفراد الإخوان في الأزهر كهيئة علمية رسمية .
- خطاب الدكتور حمدي حسن عضو الكتلة البرلمانية والمتحدث الرسمي باسمها لفضيلة المفتي الدكتور على جمعة والذي أفقدنا من رصيدنا لدى فضيلته ولدى الكثير من علماء الأزهر .
- صارت هناك قناعة لدى الكثير من أفراد الجماعة أن جل علماء الأزهر عملاء للسلطان ( الحكومة ) والدخول قديما في صراعات بين علماء الأزهر المنتمين للإخوان وبين بقية العلماء والمشايخ بدلا من نشر الاحترام والهيبة للأزهر ( وللأمانة تحسنت هذه النقطة في الفترة الأخيرة تحسنا طفيفا في خطاب بعض القيادات كخطاب الدكتور عصام العريان والدكتور عبد الرحمن البر لمشايخ الأزهر ، لكن يبقى نظرة الكثير من الإخوان غير المقالات من كثير من صحفيي الجماعة وموقعها الرسمي ) .
3- الإخوان كحركة جامعة تضم الكثير من أبناء الوطن على اختلاف أطيافهم وتعليمهم ونشأتهم :
نجح النظام بسطوته وجبروته من وجهة نظري في إبعاد ملحوظ للإخوان عن عموم الناس وأغلق لهم معظم المنابر الدعوية من نقابات وإتحادات طلابية ومساجد وجمعيات .
وكان هذا الإبعاد يتجه بالجماعة لمزيد من الانغلاق على نفسها محاولة منها للحفاظ هلى تماسك نتظيمها أمام الإعتقالات المتكررة والمستمرة في غياب دولة القانون وتحت مظلة الحكم العسكري وقانون الطوارئ .
مسئولية الجماعة في وجهة نظري تكمن في عدم انتبهاها على مدار سنوات لانحسار تأثيرهم وبعدهم الملحوظ عن رجل الشارع العادي .
فالجماعة انتدبت نفسها لمهمة خدمة الدين ومحاولة الإصلاح الداخلي عن طريق نشر الخير في المجتمع والحث على الإلتزام بتعاليم الدين الحنيف ، وكانت تضم الشباب الراغب في العمل لخدمة دينه على أساس هذه المهمة الإصلاحية ، فمسئوليتها عن التدهور الأخلاقي والقيمي في المجتمع ينبع من بعدها عن التواصل مع الشعب ومن تقصيرها من وجهة نظري في أداء مهمتها التي انتدبت نفسها لها وهذا بالطبع يختلف عن تقصير الحكومة والنظام وهم من تعمدوا نشر الفساد والظلم والجهل والجوع .
كما أن خطاب الجماعة انحسر في كشف عورات النظام ومحاولة فضحه أمام جموع الشعب فتحول خطابنا في معظم منابرنا الدعوية إلى خطاب سياسي ، وفي غفلة تناسينا هموم المواطن ومشاكله الحقيقية ومحاولة التواصل الإجتماعي الحقيقي مع الناس وأن نعيش مشاكلهم – نفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم لأننا نسيج واحد داخل هذا البلد .
والتواصل الإجتماعي الحقيقي مع أفراد الشعب يجعلنا قادرين على التأثير الإيجابي في معالجة أخلاق الناس وتعديل فطرتهم التي انتكست بفعل إفساد النظام لكل ما هو جميل داخل نفس المواطن .
فإنني أدعو القيادة داخل الجماعة لمحاولة تقييم شاملة ودقيقة تشمل الواقع الإجتماعي والقيمي والأخلاقي لأفراد الشعب وأفراد الإخوان على أساس أنهم جزء من هذا النسيج ولم ينفصلوا عنه ، وإلى محاولة تقييم خطابنا الفترة السابقة وما لهذا الخطاب من سلبيات وإيجابيات ، ومن ثم الإهتمام بالعمل الإجتماعي وخلق قنوات للتواصل والانخراط والالتحام الفعال مع عموم أفراد الشعب .
4 – المعارضة باختلاف فصائلها :
هي معارضة مفتتة مشرذمة لا رابط بينها ولا هدف واحد واضح يجمعها حتى الان ، والكثير من الأحزاب الموجودة بعيد بعد تام عن رجل الشارع وبعيدة عن العمل الإجتماعي ، جل اهتمامها النخب السياسية والفكرية ، أما بقية الشعب المغلوب على أمره لا يجد من يتواصل معه ويوجهه من المعارضة .
بل إننا على مدار سنوات لم نرى إتفاقا بينها على أجندة إصلاح واحدة تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذا البلد العريق .
وأنا أدعوهم إن كانوا جادين في وطنيتهم وحبهم لشعب مصر فليدعوا خلافاتهم الفكرية والأيدولوجية وليتحدوا حول هموم المواطن ومحاولة إصلاح ما كسر داخله جراء الفقر والجوع والذل والمهانة .
يحاولوا متحدين أن يقفوا في وجه الهجمة الشرسة التي تستهدف قيم وأخلاق الناس وفطرتهم الجميلة والتي كانت تميز شعبنا الجميل .
أخير أتمنى أن أرى بلدي مصرمرة ثانية لها مكانتها المرموقة بين بلدان العالم ، و أتمنى أن أرى أفراد بلدي على غير الحال الذي وصلوا إليه .
أتمنى أن أراهم خير الناس دينا وأحسن الشعوب قيما وخلقا .
د . أحمد مصطفى
Dent_ahmad@windowslive.com