هنا نتناقش حول أفكارنا ونحاول مراجعتها حتى نطمئن جميعا أننا على الطريق الصحيح
الاثنين، 30 نوفمبر 2009
كيف تتعامل جماعة الإخوان مع ناقديها ؟
والدليل على ذلك أن العمل المؤسسي يعتمد مبدأ المراجعة والمحاسبة والنقد الذاتي كمبدأ إداري وهو ما يسمى في علم الإدارة ( التغذية العكسية feed back ) ، وهذا المبدأ غير واضح المعالم داخل جماعة الإخوان ، إذ أن الطريقة المتبعة هي تسليم الرأي أو النقد للمسئول ثم تتركه فلا تعلم هل يسلم المسئول هذا النقد للمختصين في الجماعة أم لا ؟ وما آلية متابعة هذا النقد ومن يقرر في أمره ؟ هل هي الجهات الإدارية في الجماعة أم الجهات الفنية ؟ ورأينا مثالا لرد فضيلة المرشد على المهندس حامد الدفرواي : " مش المفروض أن نرد على ذلك ......." فأنت عندما تقدم نقدا أو رأيا ( خصوصا إذا كان من العيار الثقيل ) فإنك تدخل في متاهة لا تعلم آخرها فضلا عن الاتهامات بعدم الثقة في القيادة ومحاولة شق الصف وكثير من شاكلة هذه التهم الجاهزة للرد على أي صاحب رأي مخالف .
كما أن العمل المؤسسي يعتمد مبدأ الشفافية كأحد مبادئه الإدارية ، فالفرد عندما يعمل في أي مؤسسة ذات قيمة وهيكل معتبر ، فإنه أول ما يعين يرى بعينيه كتاب أو كراسة تسمى (سياسات المؤسسة policies ) هذا الكتاب يقوم بتعريف الفرد واجباته وحقوقه داخل المؤسسة ونظام عمل المؤسسة ورسالتها وهياكلها الإدارية والتوصيف الوظيفي لجميع تلك الهياكل ، وهذا أيضا مفتقد داخل الجماعة ، إذ الإطلاع على لوائح الأخوان وهياكلهم تظل مرحلة متأخرة في حياة الأخ بعد اجتيازه لمراحل تربوية معينة ، وذلك بحجة المعرفة على قدر الحاجة وعدم السؤال لدعم معاني الثقة في القيادة والطاعة بلا تردد ، والتحقق بتلك المعاني يتطلب قدر قليل جدا من المعرفة باللوائح والهياكل والحقوق والواجبات .
بعد هذه المقدمة عن طبيعة تنظيم الإخوان وطبيعة العقلية التي تسيطر على التنظيم والتي تصنع اللوائح والقوانين والهياكل ومع الأخذ في الاعتبار النشأة التاريخية والمراحل التي مرت بها الجماعة من حكم ملكي واحتلال ثم عهد التنكيل والظلم الناصري ، نجد أن الجماعة مصابة بحساسية مفرطة تجاه عملية النقد الذاتي والتشكيك في فاعلية أنشطتها أو في أهلية قيادتها على القيام بدور الجماعة الإصلاحي وتنفيذ مشروعها لإعادة أمجاد الأمة .
فإذا قمنا بجمع وتحليل النقد الموجه لجماعة الإخوان سواء من خارجها أو من داخل أبنائها ، فإننا نجد هناك نوعان من التعامل والتفاعل تجاه نوعين من النقد والمراجعة .
أولا : نقد ( الوسائل والتصريحات والأشخاص والمواقف ) :
وهذا النوع أغلبه من وجهة نظر القيادة تأثيره محدود ، وهو حتى مع انتشاره لا يشكل خطرا ولا تهديدا للجماعة ولا يؤدي إلى تغيير خط سير الجماعة ولا حتى يقترب من مجموعة الأفكار التي تشكل العقلية الإخوانية ولا يؤثر على استراتيجيات الجماعة ولا رؤاها ولا أهدافها .
فالجماعة تبدي مرونة نوعا ما إزاء هذا النوع من النقد لتظهر قدر من حرية التعبير عن الرأي وعدم الاستبداد ، باستثناء نقد الأشخاص ذوي المكانة القيادية أو التاريخية ( كالمرشد أو حسن البنا أو سيد قطب ) فكثير من أفراد الجماعة ( قيادات وأفراد ) يربطون بين نقد أفكار الشخص وبين الشخص نفسه ، فعندما تنتقد سيد قطب مثلا فأنت تقلل من شأنه وتحقر من جهاده ووقوفه صامدا أمام الظلم والطغيان ، فمثلا قام الأستاذ المرشد بنفسه بانتقاد سلوك بعض نوابنا في مجلس الشعب ( في واقعة رفع الحذاء ) ، أما حين أعلن الشيخ القرضاوي نقده لأفكار الأستاذ سيد قطب ثار كثير من قيادات الجماعة وانبروا للرد على الشيخ القرضاوي حفظا لمكانة الأستاذ سيد قطب في نفوس الإخوان وكثير منهم لم يفرقوا بين شخص سيد قطب وأفكاره باستثناء الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي كتب مقالة جيدة بعنوان ( سيد قطب نحبه ونحترمه ونختلف معه ) .
ثانيا : نقد ( الأفكار والسياسات والأهداف ) :
وهذا النوع من النقد يقابل بعنف حاد سواء كان النقد من داخل الجماعة أو من خارجها ، إذ أن هذا النوع من النقد حال انتشاره يضرب في قاعدة الأفكار التي يتربى عليها الصف الإخواني ( كنقد رسائل حسن البنا وبالأخص رسالة التعاليم ) ، ومن شأنه أيضا نقد الأهداف و السياسات الموجهة لحركة الإخوان وكذلك يكشف مدى صلاحية اللوائح الإدارية ومدى فاعلية الهياكل التنظيمية .
وبالتالي فإن هذا النوع من النقد يوجه سهام مباشرة تجاه مدى أهلية القيادة والمسئولين ونحو تكوينهم الفكري والسياسي وكذلك نحو المرجعية الفكرية التي تتمحور حولها الجماعة وتربي أجيالها عليها .
فالجماعة تقبل بالتغيير في الأشخاص والوسائل لكن لا تقبل بتغيير السياسات والاستراتيجيات ، ولا تقبل بتغيير القاعدة الفكرية للجماعة والتي تشكل العقلية الإخوانية ، ولذلك كثير من القيادات يربط بين فكر الإسلام وثوابته وبين فكر الإخوان ومبادئه ويرون أن هذا الفكر وذاك وجهان لعملة واحدة ، وهذا واضح جدا في فكر الأستاذ سيد قطب ومن تربى على أفكاره .
وللأسف مساحة النقد هنا تضيق تماما داخل الصف الإخواني ، بل تكاد تكون معدومة ، وهو ما يدفع بعض الإخوان خصوصا أصحاب الرؤى التحليلية وأصحاب العقول المفكرة إلى عدة منافذ ، منها :
1 - اللجوء إلى وسائل الإعلام لمحاولة خلق رأي عام يضغط به على أصحاب الرأي والقرار داخل الجماعة .
2 - اللجوء إلى الاختفاء والانزواء والبعد عن دائرة التأثير ، أو لجوء الجماعة إلى الفصل والتجميد والتهميش ( بحجة إثارة البلبلة وشق الصف والمشاكل الفكرية ) .
3 - اللجوء لعمل تكتلات صغيرة داخل الجماعة لنشر فكرته ومحاولة إيجاد رأي عام لها داخل المنظمة الإخوانية ، وهذا ما أسمته القيادات ( الجيوب ) .
ويكمن مدى تأثير هذه الجيوب حال انتشارها في خلق مرجعيات فكرية متعددة داخل الجماعة ، وهو ما أنتج بعض التصنيفات للصف الإخواني ( كالمحافظين والإصلاحيين ) ولست هنا بصدد تحليل أو نقاش تلك التصنيفات من حيث الصحة من عدمها .
ولكن ما أردت أن أنبه عليه هو تأثير هذه الجيوب على الصف الإخواني من تشتيت للجهود وضياع للأوقات ، فالقيادة بدلا من أن تستفيد من أصحاب الفكر المكونين لهذه الجيوب تجهد نفسها في حصرتلك الجيوب ووضع الخطط لتطويقها وتحجيمها وإبعادها عن دائرة التأثير ، ثم تتكلف عناء تقديم الكبسولات التربوية بهدف إنعاش ذاكرة الثقة في القيادة والسمع والطاعة واستحضار كل الأدلة من الكتاب والسنة رغبة في تدعيم موقفهم حتى لو كان باحتكار الفهم الصحيح وإسقاط النصوص على واقع الجماعة واستخدامها لإرهاب المعارضين والمخالفين ( ككتابات الأستاذ جمعة أمين والدكتور غزلان ) .
أمثلة:
1 – ردود فعل قادة الجماعة بعد طرح رؤى فكرية تتعلق بخط سير الجماعة كمبادرة الدكتور البلتاجي وطرح الدكتور عصام العريان لآثار الهجمة البوليسية على الإخوان .
2- الرد العنيف من قبل المرشد على اتهامات المهندس حامد الدفراوي .
3 – رد الأستاذ جمعة أمين على الدكتور إبراهيم الزعفراني حينما أقر الأخير بوجود انقسام فكري داخل الجماعة بين جيل مشهور وجيل التلمساني .
4 – نقد الدكتور القرضاوي لأفكار الأستاذ سيد قطب وقوله أنها خارجة عن فكر أهل السنة والجماعة ، فمكتب الإرشاد نفى في دفاع عن شخص سيد قطب أن تكون أفكاره مخالفة لأفكار أهل السنة والجماعة ، ولكن ما خفف حدة الرد من قبل المكتب مكانة الشيخ التاريخية والإقليمية .
في الختام أحب أن أؤكد أن القاعدة الفكرية للجماعة تحتاج لمزيد من النقاش والنقد والمراجعة ، ففكر الجماعة جهد بشري فلا يجب أن نضفي عليه صفات الكمال والخلود .
كما يجب على الجماعة أن تعتمد مبادئ العمل المؤسسي كالشفافية ووضع آليات واضحة للمراجعة والمحاسبة والتغذية العكسية والنقد الذاتي حتى تستفيد الجماعة من كل الآراء والأفكار .
كما يجب على الجماعة أن تربي أفرادها بداية على النقاش والحوار وإبداء الرأي حتى لو كان مخالفا لرأي القيادة فتلك أساسيات الإبداع والتطوير والتجديد .
ولتعلم أن الثقة في القيادة ما هي إلا نتاج مسيرة طويلة مع القيادة ينميها رؤية الجماعة قادرة على تنفيذ أهدافها ومشروعها ورؤيتها تتبع أفضل الأفكار والمناهج والأهداف لتحقيق مشروعها ، ويقلص من هذه الثقة رؤية قيادات الجماعة على قدر كبير من الاختلاف الفكري وإحساس الأفراد داخل الجماعة بالاضطهاد والإقصاء بسبب إبداء الرأي ومحاولة النقد ورؤية كثير من القيادات على قدر عال من الدكتاتورية واحتكار الصواب و الاستعلاء الفكري .
كتبها أخوكم ( أنا من الإخوان ولكن )
على مدونتي ( أنا من الإخوان ولكن )
http://anaikhwanbut.blogspot.com/
السبت، 14 نوفمبر 2009
الوهم آفة مهلكة ..... فاحذروا منها

بداية وقبل أن أتكلم وأستفيض في آفة الوهم أحببت أن أبين لكثير من إخواني وأخواتي الذين علقوا على تدوينتي السابقة والتي كانت عن آفة السطحية الفكرية أن ما وصلت إليه من قناعات بشأن وجود بعض الآفات الذهنية داخل بعض أفراد الجماعة هو بعد تفكير وتدقيق واستقصاء طويل وكذلك مناقشة أهل العلم والإختصاص في مثل هذه الأمور ، وأنا داخل الجماعة ومحتك بأفرادها منذ ما يقرب خمسة عشر عاما وهذه مدة ليست بالقصيرة وعملي داخل الدعوة كان عملا مركزيا وقابلت فيه أفراد كثيرة على نطاق واسع ، والظواهر وإن كانت محدودة في أماكن بعينها أو تختص بأعمار سنية معينة فإننا إن تركناها ستصبح ظاهرة عامة فالأولى محاربتها في بدايتها للتخلص منها ، وأنا لم أقصد التعميم في كلامي ولكن قمت برصد ظاهرة وإن كانت محدودة بنطاق معين وعلى المختصين أن يجيبوني هل هي ظاهرة عامة أم لا ؟ .
كان هذا ردي على من قالوا أني لم أٌقم بمسح شامل لمجتمع الإخوان حتى أتأكد من وجود تلك الآفات التي أتكلم عنها .
أما ما يخص آفة الوهم فنبدأ بطرح سؤال يقرب ويوضح ما أريد ولعل هذا السؤال يضعنا أمام حقيقة الوهم ويكشف لنا عن تلك الآفة .
لو أنك تصلي فسمعت جرس دراجة في الشارع فقلت : هذا بائع اللبن يمر مبكرا عن موعده ، وانتهيت من صلاتك بسرعة لتلحق به قبل أن ينصرف
فهل هذا ينافي الخشوع ؟
في ظني أن تكون إجابة الكثيرين أنه طبعا ينافي الخشوع طبعا .
لماذا ستكون إجابة الكثير أن هذا الفعل سينافي الخشوع لا محالة ؟
لان معظم الناس تفهم الخشوع على أنه حضور القلب مع استغراق الذهن والحواس في الصلاة
سأقص على حضراتكم واقعتين عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فمرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فسمع بكاء طفل فتجوز في صلاته حتى لا تفتن والدة هذا الطفل ، ومرة أخرى في واقعة مشهورة سمع الصحابة يفتون في وضوء أحدهم كانت قد شجت رأسه وصحح لهم النبي صلى الله عليه وسلم فتواهم بعد الصلاة .
النبي صلى الله عليه وسلم وبالأخص في الرواية الثانية سمع الكلام وفهم تفاصيله .
والسؤال ما حكمنا على صلاة النبي حسب فهمنا المعتاد للخشوع ؟ حكمنا أن خشوعه صلى الله عليه وسلم كان منقوصا وحاش لرسول الله أن تكون صلاته كذلك .
إذن فهمنا للخشوع على أنه حضور القلب مع استغراق الذهن والحواس كان تصورا عن جهل ووهم ، فحقيقة الخشوع هو حضور القلب سواء حصل معه استغراق من الذهن والحواس أم لا ، ولو علمنا الخشوع على حقيقته لاعتدل شعورنا نحو من فهم كلام غيره وفكر فيه في صلاته .
ومثال آخر يقرب الصورة من أذهاننا :
ماذا لو تخلينا أن رجلا لم ير ثعبانا من قبل في حياته ولم يسمع عنه
فرأى حاويا يلاعب ثعبان كوبرا كبير كثير الألوان فماذا يشعر نحو ما يرى؟
سيحب ذلك المخلوق ( الثعبان ) ويميل إليه .
فلو رأى فيلما تسجيليا عن ثعبان الكوبرا ،ثم عاد لمشاهدة الثعبان مع الحاوي فبم سيشعر؟ بالتأكيد سيخاف وينفر .
شعوره الأول صادق حقيقي غير مفتعل، وشعوره الثاني أيضا صادق حقيقي غير مفتعل
فما الفرق بين الشعورين؟
الأول مبني على جهل ووهم والثاني مبني على علم وفكر ، رغم صدقه في الحالتين
فالصدق وهو خلق محمود لا يكفي وحده في خلق تصور صحيح علمي وشعوري
ولكن لابد من معرفة الحقائق بأساليب سليمة .
وهذا هو الوهم أن تدرك الأمور على غير حقيقتها وتتصور أشياء على غير مرادها .
فمتى كان التصور خطأ كان الحكم خطأ وكان الفعل المترتب عليه خطأ وكان المسار خطأ كذلك ولا ننسى القاعدة التي تقول : " أن الحكم على شئ فرع عن تصوره ".
وقديما قال ابن عطاء الله في حكمه : " وما قادك شئ مثل الوهم " .
فالوهم من الآفات الذهنية الخطيرة التي تسوق صاحبها إذا تمكنت منه إلى ظلمات الجهل والتيه كراكب السفينة يسير في بحر وليس معه بوصلة أو خريطة سترمي به الأمواج إلى حيث لا يدري .
وما أخطر هذه الآفة على مجتمع داعي إلى الله كمجتمع الإخوان ، عندما تتعامل مع الأمور على غير حقيقتها وتبني على ذلك أحكاما وتنشأ في النفوس تصورات وقناعات غير سليمة ، فلك أن تتخيل ماذا يحدث لو تعاملت مع الكاذب على أنه صادق ومع الخؤون على أنه مؤتمن ومع الجاهل على أنه عالم ومتخصص .
ولذلك كان الوهم من علامات الساعة لشدة خطورته وفداحة نتائجه ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليأتين على الناس زمان يكذب فيه الصادق ويصدق الكاذب، ويخون الأمين ويؤتمن الخؤون، ويشهد المرء ولم يستشهد، ويحلف وإن لم يستحلف، ويكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع لا يؤمن بالله ورسوله." رواه الطبراني عن أم سلمة .
وأرجو أن تتسع لي صدور الإخوان في إسقاط تلك الآفة على واقع المجتمع الإخواني الذي هو شريحة من المجتمع ككل ومن الممكن أن يتسرب إليه آفات المجتمع إن لم يكن هناك جدارا واقيا وعازلا عن تلك الآفات .
كما عرفنا الوهم هو إدراك الأمور على غير حقيقتها ، فمثلا المدقق في حال بعض الإخوان نرى أنهم مواظبون على حضور اللقاءات التربوية ( الأسرة – الكتيبة – المخيم ) وتلك الوسائل منوط بها القيام على تزكية الأخ وتنميته في المجال ( العقلي والروحي والأخلاقي ) ومع ذلك هم يعانون من نفس الأمراض التربوية التي كانوا يعانون منها وقتما انتسبوا للدعوة ، فالسؤال هو إن كانت هذه الوسائل كفيلة بحل تلك المشاكل لماذا لم تحل المشكلة وتقضي على نقائص النفوس وعيوبها ؟
هناك إجابات كثيرة سأسمعها في هذا الجانب منها على سبيل المثال أن المشكلة تكمن في عدم وجود أفراد تكفي للقيام بالعمل التربوي ، ومنها أن العمل والإنخراط في أعملا الدعوة إن شاء الله سيصلح من الأخ باحتكاكه بأقرانه وإخوانه ، ومنها أن ننتظر حتى تؤتي البرامج الجديدة ثمارها ويتدرب عليها معظم الإخوان ويظل القائمون على لجان التربية في الجماعة يدورون في فلك البحث عن المخرج ويبحثون عن حلول فتأتي البرامج تلو البرامج والدروات تلو الدورات وهذا جهد مشكور لهم إذ أشهد لهم بصدقهم في عملهم وصدقهم في بحثهم عن حل للواقع التربوي لكثير من أفراد الجماعة .
ولكن ...... ما لم يفكروا به في ظني هو البحث عن المعنى الحقيقي للتربية ولا يتوهموا أن ما يفعلوه هو التربية ، سأنقل لكم كلام الإمام الغزالي في الأحياء حتى نرى كيف تكون تزكية النفس ، يقول الإمام : " ومرض القلب خفي قد لا يعرفه صاحبه، فلذلك يغفل عنه، وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه ، لأن دواءه مخالف الهوى، وإن وجد الصبر لم يجد طبيباً حاذقاً يعالجه، فإن الأطباء هم العلماء والمرض قد استولى عليهم والطبيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الداء عضالاً، واندرس هذا العلم، وأنكر طب القلوب ومرضها بالكلية وأقبل الناس على أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات فهذه علامة أصل المرض.وأما عافيته وعوده إلى الصحة بعد المعالجة، فهو أن ينظر إلى العلة، فإن كان يعالج داء البخل، فعلاجه بذل المال، ولكنه لا يسرف، ويصير إلى حد التبذير فيحصل داء آخر فيكون كمن يعالج البرودة بالحرارة الغالبة حتى تغلب الحرارة، فيكون داءً أيضاً، بل المطلوب الاعتدال. وإذا أرادت أن تعرف الوسط، فانظر إلى نفسك، فإن كان إمساك المال وجمعه ألذ عندك، وأيسر عليك من بذله لمستحقه، فاعلم أن الغالب عليك خلق البخل، فعالج نفسك على البذل، وإن صار البذل للمستحق ألذ عندك، وأخف عليك من الإمساك فقد غلب عليك التبذير، فارجع إلى المواظبة على الامساك، ولا تزال تراقب نفسك ، وتستدل على خلقك بتيسير الأفعال وتعسيرها، حتى تنقطع علاقة قلبك عن المال فلا تميل إلى بذله ولا إمساكه، بل يصير عندك كالماء، فلا تطلب فيه إمساكه لحاجة محتاج، أو بذله لحاجة محتاج، فكل قلب صار كذلك، فقد جاء الله سليماً في هذا المقام. ويجب أن يكون سليماً على سائر الأخلاق حتى لا تكون له علاقة بشيء من الدنيا، حتى ترتحل النفس عن الدنيا منقطعة العلائق منها، غير ملتفته إليها، ولا متشوقة إلى أسبابها، فحينئذ ترجع إلى ربها رجوع النفس المطمئنة . "
وحتى لا يظن الأخوة أن كلام الغزالي به مغالاة أو تشدد أحببت أن أنقل لكم كلام أحد علماء الدعوة عن التزكية .
يقول الشيخ سعيد حوى فى كتابه المستخلص في تزكية الأنفس : " فتزكية النفس من مهمات الرسل ، وهي هدف للمتقين ، وعليها مدار النجاة والهلاك عند الله عز وجل ، والتزكية تأتي في اللغة على معان : منها التطهير، ومنها النمو، وهي كذلك في الإصطلاح ، فالتزكية في النهاية : تطهر وتحقق وتخلق ، .............
ولعل ضعف التزكية في عصرنا هذا كان أكثر منه في أي عصر مضى ، فاقتضى ذلك كلاما خاصا في التزكية ، وكان باعثا على هذا الجهد ، ولذلك انصب الكلام فيه عن وسائل التزكية ، وكيف تؤدى على الوجه الأكمل ، وعلى مقامات القلوب وأمراضها وأخلاقها الصالحة ، وعلى أدب العلاقات ، وكل ذلك مرتبطا ارتباطا مباشرا بتزكية الأنفس . "
ولعلنا أدركنا من كلام الولين والآخرين أن التزكية التي يقصدونها هي أحوال لابد أن يعيشها الفرد بإشراف من شيخ ( الطبيب ) حاذق ماهر يعرف مداخل الشيطان وخبير بأمراض القلوب وهذه الكيفية في التربية لا تمارس داخل المحاضن التروبية الدعوية فتوهمنا أنه عندما نحضر لقاءاتنا الدورية ( بغض النظر عن محتواها التربوي السطحي ) أن نفوسنا نالت حظها من التزكية والتربية وما نالت للأسف ، لأنه تبين من كلام السابقين والحاضرين أنها مهمة طويلة وشاقة ولا يقدر عليها إلا القلائل من الناس .
والسؤال كم عدد من يشتغلون بلجان التربية في الجماعة ؟
وهل كلهم يقومون بدور الطبيب أو الشيخ المربي ؟
وما مدى معرفتهم بأركان التزكية ووسائلها وكيفية ممارستها ؟
ولماذا يظل كثير من الأفراد على صفاتهم السلبية رغم مرورهم بمعظم المحاضن التربوية ؟
لماذا نسمع شكوى كثير من الأفراد أن الأسرة لا تقدم له شيئا وأنها فصول دراسية ضعيفة ؟
أم أن الأمر مجرد قراءة بعض مقتطفات من كتب العلم ولقاء نجتمع فيه على الشاي وذكر أحوالنا ومشاكلنا الدعوية والحياتية .
من يظن أنه بهذه اللقاءات وحدها ( وأنا لا أنفي أهميتها ) قد نال حظه من التزكية فهو واهم ومخدوع ، وما هذه اللقاءات إلا وسائل إيضاح إن صح التعبير ووسائل مساعدة لعملية التربية ، لكن أصل التزكية والتربية لم نضع أيدينا عليه حتى الآن .
غير أن التناول لكثير من المفاهيم التربوية داخل الأسرة والكتيبة به خلل واضح ينشئ الوهم في النفس عن تصور ذلك المفهوم أو الخلق ، والأمثلة في هذا الصدد كثيرة من مختلف المحتويات الثقافية التي يدرسها الإخوان في مختلف المراحل التربوية ، وأقسم أن هذا ليس بتجني أو ظلم على الإخوان ولكنه واقع للأسف نعيشه ونحياه .
وأنا عندي أمثلة تفصيلية لهذا الموضوع لا مجال لذكرها خشية الإطالة ، وإن أراد الإخوان ذكرتها في تدوينة منفصلة ، وإن كنت أفضل ذكرها في موضوع منفصل كنت قد أعددته عن المحتويات الثقافية والمناهج التربوية داخل مستويات الإخوان .
في النهاية أنا أرى أننا يجب علينا جماعة وأفرادا أن نتأنى ونتفكر وندرك الأمور على حقيقتها وعلى مرادها كما أراد الله سبحانه وتعالى لها أن تكون ، حتى لا نصبح فريسة للوهم يسوقنا إلى ما لاندري ، وأسال الله عز وجل أن أكون أوضحت وبينت ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .
كتبها أخوكم ( أنا من الإخوان ولكن )
على مدونتي (أنا من الإخوان ولكن )
http://anaikhwanbut.blogspot.com/
الأحد، 8 نوفمبر 2009
السطحية ....هل انتشرت بين الإخوان ؟

إخوتي في الله لقد بينت قبل ذلك أن هناك آفات ذهنية إن أصابت العقل ، عطلت عمله ووظيفته أو على الأقل شوشت عليه وانحرفت به عن مساره .
وأول تلك الآفات وأخطرها من وجهة نظري ، بل هي المسبب لما بعدها من الآفات السطحية الفكرية .
وقبل أن نتعرض لمظاهر السطحية وأسبابها يجب أن نعرف أولا ما معنى هذا المصطلح ونقم بتحريره جيدا .
السطحية الفكرية :
التعامل مع ظواهر الأمور، دون التعمق فيها. أو بعبارة أخرى هي: فهم الأمور بظواهرها الخارجية دون النفاذ إلى دواخلها ، ودلالاتها ومكوناتها وأبعادها الأساسية ، التي تعين على التصور الكامل والمعرفة الحقيقية للأمور، والحكم الصحيح عليها .
والسؤال المهم هو لماذا نشأت السطحية ؟ وما مظاهرها ؟
لابد وأن نقر أن أزمتنا أزمة فكر وفهم من الدرجة الأولى ، فالإمام حسن البنا رحمة الله عليه عندما وضع لبنات التنظيم وأسسه كان ذلك بغية حماية الفكرة والقيام على نشرها وتوضيحها ، فالفكرة هي الهدف والتنظيم ومبادئه وسائل لخدمة الفكرة .
ولكن دون أن نشعر مع عهد ( الانفتاح ) إن صحت التسمية ومع تشعب التنظيم وكثرة هياكله الإدارية علت نبرة الحفاظ على قوة وصلابة التنظيم وأضفي شئ من القداسة على مبدأ التنظيم ، فغاب واضمحل عالم الأفكار ومنطقه وهو أن تغوص في أعماق الأمور والمبادئ وفهمها على حقيقتها وفهم أهميتها ومكانتها في الشرع والدين وكذلك أبعادها وعلاقتها بعضها ببعض .
مع كثرة الأعمال والمهمات علت نبرة العمل أولا ، فلا وقت للتنظير ، وتلك طبيعة التنظيمات بصفة عامة ، الصوت العالي فيها للهياكل ولتنفيذ الأوامر ، وزاد الإرتباط بالتنظيم نفسه وبالهياكل أي بالأشخاص ، لا يوجد وقت للنقاش الفكري ولتأصيل الأمور وإعطاء العقل مهلة يستوعب الأمور ويفكر بروية ويغوص في أعماق كل ما حوله .
العقل إهتم بالكيفيات دون الإلتفات إلى حقائق الأمور وأهميتها ، وظل يتعامل مع الأمور بثقافة ( التيك أواي ) .
قد يسأل سائل ويقول هل كان من المفروض أن نترك الأعمال ونجلس في جلسات فكرية للتفكير في كل ما يقوم به الإخوان ونعرفه على حقيقته ونقيمه ونغوص في أعماقه وإحاطته من جميع جوانبه .
أقول لهذا السائل كان من المفروض أن يكون في الجماعة فريق من الباحثين والمفكرين ولا يكون هناك وظيفة لهم إلا البحث في تلك المسائل والتعمق فيها ليرسموا خارطات للطريق في كل مجال يعمل فيه الإخوان .
الخلاصة أن ذهن الأخ شغل عن عالم الأفكار بعالم التكليفات والمهام والأشخاص والهياكل ، فتعطلت وظيفة العقل عن التفكير والتدقيق والمراجعة والإبتكار .
مظاهر السطحية الفكرية :
1 – اضطراب في تقدير الأولويات والإشتغال بما هو أقل أهمية عن الأكثر أهمية .
ومثال ذلك انشغال الشباب بقضية العمل الدعوي ( الذي هو فرض كفاية ) عن ضبط العبادات والأخلاق والمعاملات ( التي هي فرض عين ) .
2 – الخلط بين ما هو من عند الله وما هو نتاج بشري محض . من حيث ( التقديس وعدم المساس به والثبات عليه وتجريح ناقده ) .
ومثال ذلك قضية الثوابت في الجماعة والمبادئ التي قامت عليها الجماعة كالبيعة ورسالة التعاليم ، ماذا يحدث مع أي فرد يحاول المساس بهذه الأسس والمبادئ وهي في أصلها نتاج بشري وقابل للنقد والمراجعة بتغير الظروف والأحوال والأماكن . وأعتقد أن الإمام حسن البنا نفسه رحمه الله لو كان حيا لراجع كثير مما كتبه وخطه بيديه .
3 – الانشغال بالشعارات دون تحليل مضمونها وكذلك عدم تحرير المصطلحات وعدم تحديد المفاهيم .
ومثال ذلك : كلمة ( الثوابت )تلك الكلمة التي إن تعاملنا معها بسطحية تعطل العقل عن التفكير في مدلولها وأبعادها وتجعل العقل يقف عند اللفظ فيستقر في النفس فعلا أنها من الثوابت ويحرم العقل على نفسه الدخول إلى هذه المنطقة المحرمة والمقدسة ، وهذا من خطورة إطلاق الألفاظ هكذا دون التفكير العميق في معناها ومدلولها .
أما التفكير العميق في مسألة الثوابت يجعلنا نسأل العديد من الأسئلة :
– هل هذه الثوابت كثوابت الشرع المنزلة من المولى عز وجل ؟
– هل واضع تلك الثوابت بشر أم وحي ؟ وإن كان بشرا فهل هو معصوم ؟
– هل يمكن النقاش حول تلك الثوابت بالتعديل أو الحذف أو الزيادة مع تغير الظروف والأحوال والأماكن .
– وإن كان بشرا هو الذي وضع تلك الثوابت وهي قابلة للنقاش فهل يصح أن نطلق عليها لفظ ثوابت أم هناك ألفاظا أقل حدة وتعبر عن المضمون كلفظ ( المبادئ ) مثلا ؟
– وإن بقى اللفظ على ما هو عليه ماذا يترك في نفسية وعقل الإخوان مع مرور الوقت ؟ هل يترك انطباعا أنها مثل ثوابت الدين ولا يجوز فيها النقاش أو الإختلاف وهنا يحدث الجمود الفكري والخلط وغياب الوعي .
4 – تقديس ما ليس بمقدس والخلط بين الثوابت والمتغيرات .
فمثلا قضية الإشتراك الشهري هناك تقديس لهذه القضية فوق المعتاد .
التناول السطحي لمسألة الإشتراك الشهري هي أننا نثق في إخواننا القائمين على ذلك الأمر وندعو لهم بالسداد والتوفيق .
أما التناول العميق لتلك المسألة يطرح الكثير من الأسئلة :
- ماحكم ذلك الإشتراك في الشرع ؟
- هل هو صدقة أي نافلة ؟ أم فرض من الفروض ؟
- ما حكم من لم يدفع الإشتراك ؟
- المقصر في دفع الإشتراك هل هو آثم شرعا ؟ أم أنه مقصر تنظيميا ؟
- ماذا يفعل غير القادر على دفعه في تلك الظروف الإقتصادية الطاحنة ؟ هل يستدين كما يشير بعض النقباء على الأفراد بحجة أنه جهاد وتضحية .
- ماحكم دفع الإشتراك إذا دفعه الفرد خوفا أو حرجا من مسئوله ؟ هل يأخذ أجر وثواب عليه أم ماذا ؟
- هل يجب تثبيت النسبة على كل الأفراد أم كل حسب ظروف معيشته وحجم عائلته ومدى إلتزاماته المادية
- ما مدى تأثير عدم دفع الإشتراك على نظرة المسئولين للأفراد وتقييمهم لهم مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أيكون المؤمن بخيلا قال نعم ......."
- هل يتساوى تأثير عدم دفع الإشتراك مع إقامة الفرائض والحدود في تصعيد الأخ أو تضعيفه ؟
- والذي يدفع إشتراك للدعوة لينفق عليها ألا يجب أن يتبع الشرع ؟
- وهل تعلمنا من الشرع وجود أموال في أيدي أناس لا يحاسبون عليها ولا يسألون عنها ؟
- وهل تعلمنا من الشرع الكتابة في الأمور المالية أم لا ؟
- وهل من بيده الأموال معصوم من الخطأ في الحساب وضياع المال واختلاطه بماله الشخصي أو سرقته ؟
- فلو وضعنا في يده المال ثم انحرف أو أخطأ فمن الذي وضعه في هذا الوضع ؟
- كيف نحمي أخانا من هذا ؟
- وإذا كانت حمايته بالمحاسبة والمراجعة فما الأسلوب المقترح لتلك المحاسبة ؟
- وفي ظني أن الأمر المالي في الجماعة يقوم بعض رجال الأعمال بوضع أرصدة بنكية شخصية لهم بحكم تجارتهم ومشاريعهم أو تخفى هذه الأموال كأسهم في تلك المشاريع ، وإذا كان كذلك فهل يمكن أن يحدث نوع من الخطأ أو النسيان أو الإنحراف لهؤلاء الأشخاص القائمين على المسألة المالية .
- وما الأسلوب الآمن لتداول تلك الأموال ؟ في ظني أن الإجابة تتجه إلى وجود كيان علني لتداول تلك الأموال وهذا ما على الإخوان البحث فيه .
- أرأينا أن التفكير العميق في مسألة كالإشتراك جعلتنا نبحث في مباحث عدة كنظرة المسئولين ومعايير تقييمهم وتأصيل مسألة الإشتراك ومبدأ المحاسبة والمراجعة للأفراد القائمين على تلك الأموال .
ومثال أيضا قضية صرامة المواعيد والأعذار عند تقييم الأفراد ، فالأخ المربي عند تقييمه هل يضع في حسبانه أن الصلاة وهي أعظم الأركان هناك أعذار فيها لتخفيفها وتأخيرها فهناك صلاة المسافر وهناك صلاة الخوف ، فكيف يكون هناك عذر في أعظم وأهم فريضة ولا يلتمس للأخ العذر في الموعد .
5 – وكما قلنا أن السطحية تؤدي إلى الخلط في المفاهيم وغياب الوعي الصحيح وبذلك ينتج ظهور آفات أخرى كالوهم والتناقض والجمود الفكري .
وكما قلت ونبهت أني لا أملك حلا جذريا لتلك الآفة الخطيرة ولكن من الممكن أن يكون عندي تصورات أو مقترحات لعلاج بعض المظاهر ، ولكن الحل الجذري لتلك الآفة يجب أن يكون من المتخصصين ، فها أنا أضع بين أيديهم كلامي وشكواي وهم عليهم البحث في تلك المسألة وكيفية علاجها وتلافي أخطارها المستقبلية على الدعوة بشكل خاص وعلى المجتمع بشكل عام
والله الموفق والمستعان
كتبها أخوكم ( أنا من الإخوان ولكن )
على مدونتي ( أنا من الإخوان ولكن )
http://anaikhwanbut.blogspot.com/
السبت، 7 نوفمبر 2009
شباب الإخوان .....رهان فائز وأمل في التغيير ( 2 )

لا شك في أن كل مرحلة من مراحل الدعوة حتى وإن كانت مليئة بالمميزات لابد أن تحتوى على شئ من التقصير أو العيوب ، ويجب أن يتوفر دائما في الجماعة عيون ناقدة وفاحصة تلحظ هذه العيوب سريعا وترصدها وتحاول علاجها أو حتى رفعها للمتخصصين حتى يقوموا بوضع آليات لعلاج هذه العيوب وتلافيها إن أمكن في المراحل المستقبلية .
ومن هذه المراحل مرحلة شبه الحرية التي أتيحت للدعوة مع بداية الثمانينات وحتى منتصف التسعينات وسيطر الإخوان فيها على النقابات المهنية والإتحادات الطلابية في معظم الجامعات وانتشر نشاط الإخوان في معظم مدن مصر وريفها ، وكان نتيجة هذه الانفتاح انضمام كثير من الأفراد الجدد لركب الدعوة المباركة ومع كثرة الأعمال والمهام واستنفاذ معظم الطاقات الدعوية والتربوية في تنفيذ تلك الأعمال والمهام ، وتم تحميل جيل الشباب حديثى العهد بالدعوة جزء من تلك المهام ، والمشكلة الحقيقية في ظني أن الدعوة وقياداتها لم تطمئن حقيقة على سلامة البناء الفكري والتربوي لذلك الجيل ، فمرحلة الإنفتاح على المجتمع تسلتزم مستوى معين للأخ المسلم من الناحية التربوية والفكرية ، فلي الحق أن أقول أن ذلك الجيل لم يأخذ نصيبا وافرا من الجرعة التربوية داخل محاضن الجماعة التربوية ، فضلا عن ضعف تلك المحاضن نتيجة اهتمام الجماعة بمسألة الإنفتاح على المجتمع وتوفير معظم الكفاءات وتوجيهها ناحية ذلك الهدف وكذلك ضعف المتابعة لمراحل بناء جيل جديد من أبناء الدعوة .
قبل أن أخوض في مظاهر الخلل الفكري الذي صاحب جيل الشباب أحب أن أسجل وأؤكد على أن هذا الجيل هو مظلوم وضحية أكثر منه مقصرا ومذنبا في حق دعوته فالمسئولية من وجهة نظري تقع معظمها على قيادة الدعوة التي ضمت أفرادا للدعوة ولم توفر لهم المناخ المناسب لنمو وتطوير الشخصية المسلمة المتوازنة .
ومن يخالفني في رأيي ويقول أن العمل والحركة داخل الدعوة كانت كفيلة بالتربية ، فالتربية داخل الدعوة تربيةعملية ونحن قوما عمليون ، أرد عليه وأقول أن الحركة والإحتكاك والممارسة كل هذه الأشياء لا تكفي وحدها للتربية ، إذ هناك وقواعد وأسس تنبني عليها العملية التربوية ، إذا صاحب هذه القواعد والأسس خلل فكل ما ينبني عليها معرض للإنحراف والزيغ عن الطريق الصحيح ، الحركة والعمل من الأشياء التي تصقل العملية التربوية وليست هي الأساس .
أساس العملية التربوية هو البناء الفكري ، فقبل قبول الأفراد لتنفيذ المهام يجب أن نطمئن على سلامة الأفكار التي تشكل أذهانهم وعقولهم ، فالأفكار هي المسئولة عن توليد الدوافع والإتجاهات والأفكار هي الواقي والحافظ أثناء السير والعمل من الإنحراف والشطط .
الخلاصة أن أبناء جيل الشباب من أبناء الدعوة صاحب تكوينهم الفكري شئ من الخلل وانتشرت بين الكثير منهم آفات ذهنية كفيلة بتعطيل مسيرتهم .
وللحق أقول أن مستواي الشرعي والتربوي لا يؤهلني إلا لرصد تلك الآفات ( السطحية – الوهم – التناقض – الخمول الذهني )والوقوف على مظاهرها ولكن توصيف علاجها وكيفية التخلص منها وكذلك كيفية تلافيها في المستقبل فهذا يحتاج جهدا غير مقل من المتخصصين في العملية التربوية الذين لهم باع مع علوم التزكية والمنطق الشرع .
وبإذن الله في تدوينتي الجديدة سأقف على آفة السطحية إذ هي أولى الآفات وأخطرها من وجهة نظري وهي المؤدية لبقية الآفات .
والله عز وجل هو الموفق والمعين
كتبها أخوكم ( أنا من الإخوان ولكن )
على مدونتي ( أنا من الإخوان ولكن )
الأربعاء، 4 نوفمبر 2009
شباب الإخوان .....رهان فائز وأمل في التغيير ( 1 )

عند القراءة المتأنية للدراسة القيمة التي نشرها القيادي الفذ الدكتور عصام العريان والتي بعنوان " الآثار الجانبية للهجمة البوليسية على الإخوان " ، يتبين لنا أن هذه الدراسة تؤمل أملا كبيرا على الشباب في هذه الدعوة وأنهم حجر الزاوية في الفترة القادمة من تاريخ الجماعة والأمة .
ولا أحتاج إلى التذكرة بأن الشباب هم الأعمدة لأي نهضة وهم الوقود لأي فكرة ، وذلك لما يتمتعون به قوة نفسية وعزيمة وإرادة ونشاط وقدرة على الإبداع وإصرار منقطع النظير .
وبصفتي أحد أفراد هذا الجيل ومعايشا للكثير من أبنائه أردت أن أكتب عن دور الشباب في النهضة بفكر الإخوان المسلمين ، ذلك الفكر الوسطي الذي يضع نصب عينيه مصلحة الأمة والمجتمع .
وحتى يعرف الشباب دورهم فيقومون به حق القيام ، لابد من الحديث عن التكوين والبناء لهذا الجيل حتي يكون على أتم استعداد للقيام بدوره .
ومن هذا المنطلق أزعم أن البناء العقلي والتركيبة الذهنية للشخصية الإخوانية ( وبالأخص جيل الشباب ) تحتاج منا إلى وقفة وتمحيص للبحث عن المكونات الأساسية لعقل وذهن الأخ المسلم .
ولا يخفى على أحد أهمية دور العقل في العملية التربوية وفي عملية صياغة الفرد المسلم
اللبنات الرئيسية في بناء عقل الفرد مسلم هي :
1 - العمق الذي هو ضد السطحية .
2 – إدراك الأمور على حقيقتها و ذلك ضد الوهم .
3 – الصدق مع النفس ومع الغير الذي هو عكس التناقض .
4 – النشاط الذهني عن طريق التأمل وتنمية القدرة على الإبداع والمناقشة والحوار وهو عكس الخمول .
وما دفعني إلى محاولة مناقشة هذا الأمر هو أن الأفكار التي تشكل عقول الكثير من الشباب هي في جملتها عبارة عن خليط غير متجانس من الأفكار ، منها ما هوسليم ومنها ما يحتاج إلى تصحيح وتصويب ومنها ما هو خاطئ في جملته ، هذا بالإضافة إلى الأفكار السلبية التي انتشرت في المجتمع عن طريق الغزو الفكري .
وهذا الواقع أدى بطبيعة الحال إلى ظهور الكثير من الأمراض الفكرية التي عطلت وظيفة العقل التي خلقه الله من أجلها وهي الإدراك والتفكير ، وتلك الأمراض كالتي أشرت عليها ( السطحية – الوهم – التناقض – الكسل الذهني ) كفيلة بتعطيل مسيرة الشباب إن انتشرت فيهم .
وسأحاول بإذن الله وعونه وتوفيقه أن أفصل في موضوع تلك الآفات ومحاولة تبيين مظاهرها وكيفية علاجها ، حتى تتحرر عقولنا وتمارس وظيفتها السامية ، وإذا انطلقت عقولنا وتحررت فأبشروا بخير وفير ونهضة حقيقية لدعوتنا التي انتسبنا إليها وكذلك لمجتمعنا وأمتنا .
كتبها أنا من الإخوان ولكن
الأحد، 1 نوفمبر 2009
الآثار الجانبية للحملة البوليسية على الإخوان

عصام العريان
27-10-2009
لاشك أن هناك عقلاً أمنياً وسياسياً يخطط لتلك الحملات البوليسية الأمنية والإعلامية ضد الإخوان المسلمين والمستمرة منذ أكثر من 17 سنة. ولابد أن تلك العقول تحسب حساب الخسائر والمكاسب في تلك الحملات المتوالية والتي لم تنقطع بل تصاعدت مع مرور السنوات.
وفي الإجمال نجد أن النتائج المتوقعة لم تكن كما يريد المخططون، وأن التداعيات السلبية على النظام السياسي في مجمله وعلى المجتمع المصري وعلى البيئة السياسية من أحزاب وقوى سياسية وحراك اجتماعي وثقافي لم تكن في الحسبان تقريباً.
وفى النظر السريع نجد الحصيلة على الأرض هي:
- تنامت قوة الإخوان السياسية خلال الربع قرن الماضي، فبعد أن كانت الجماعة حليفاً ضمن حلفاء وقوة بين قوى إذا بها تصعد لتكون قوة منفردة تحصد 20 % من مقاعد البرلمان في انتخابات شبه حرة بها قدر من النزاهة وتكسب تأييد قرابة 35 – 40 % من أصوات الناخبين في الدوائر التي خاضت بها الانتخابات .
- في المقابل ضعفت القوى السياسية الأخرى وضمرت تماماً حتى أصبحت هياكل لا روح فيها خاصة الأحزاب الرسمية المعارضة.
- تصاعد الخطاب الإسلامي السلفي في مواجهة الخطاب "الإخواني المعتدل الوسطي وبدت ظواهر اجتماعية نتيجة ذلك الخطاب محل الاهتمام وبدأت معارك جديدة حول النقاب واللحية والشكل العالم للمسلم والمسلمة بديلاً عن المعارك الأخرى حول الإصلاح والحريات والعدل والشورى والديمقراطية ونزاهة الانتخابات وتداول السلطة.
- ساد التعامل الأمني البوليسي في كافة الملفات: سياسية واقتصادية وعلمية وتعليمية وإدارية .. الخ ، وغاب في المقابل التعامل السياسي الإداري وفق قواعد عامة مجردة واختفت بذلك دولة القانون وتحولت مصر إلى دولة بوليسية.
- تضخم التنظيم الإخواني وكسب أنصاراً جدداً غالبيتهم من الشباب والفتيات وازداد امتداده خاصة في المحافظات بالدلتا والصعيد وليس في القاهرة والجيزة والمدن الكبرى التي تقوى فيها قبضة الأمن وتشتد .
الآثار الجانية على الفكرة والتنظيم
وتلك الحصيلة توحي بأن المكاسب الأكبر كانت للإخوان، ولكن هل يعنى ذلك عدم وجو آثار جانبية أصابت الإخوان كفكرة أو جسد تنظيمي.
وإذا سلمنا بأن أي حملة أمنية بوليسية لابد لها من آثار جانبية وخسائر، فيكون السؤال: كيف يمكن تدارك تلك الخسائر وتحويل بعضها إن لم يكن كلها إلى مكاسب ؟
توقع المراقبون والمحللون عدّة آثار جانبية وفق مناهج البحث والتحليل الاجتماعي والسياسي، ووفق خبرات تراكمت من متابعة تطور الحركات الاجتماعية والسياسية كان أهمها :-
[1] النزوع إلى الغلو والتشدد والتطرف بدلاً من المرونة والوسطية والاعتدال.
[2] الاتجاه إلى العنف بديلاً عن الحلول السلمية والنزوع إلى العمل السري.
[3] الإحباط والشعور بعدم جدوى المشاركة السياسية بسبب انسداد طريق الإصلاح السلمي المتدرج .
[4] ترييف الجماعة بتضخم الجسد التنظيمي في الريف الذي يقل فيه الضغط الأمني ويقل دوره في الإسهامات السياسية والفكرية.
[5] فقدان العقل الاستراتيجي الذي يوظّف كافة طاقات الجماعة في حال السلم لتحقيق أهدافها المرحلية وأهدافها النهائية تحت الضغط الأمني المتواصل.
[6] حدوث انقسامات في الجسد التنظيمي الذي يتعرض للضربات الأمنية ويفتقد كل فترة ذوي الخبرة والحنكة التربوية والإدارية بتغييبهم وراء الأسوار.
[7] فقدان الثقة في القيادة التي لم تستطع الخروج من المأزق الأمني والسياسي.
هناك توقعات أخرى لا يتسع لها المجال ولا ترقى لأهمية تلك التوقعات السابقة، وإذا نظرنا نظرة إجمالية سنجد أنه مع طول فترة الضربات الأمنية وصعوبة تحقيق أهداف سريعة لها وإدراك العقل الأمني والسياسي أنه لا أمل في إلغاء أو شطب الإخوان من المجتمع المصري، وكذلك صعوبة – أو قل عدم الرغبة – في إقصائهم تماماً من الساحة السياسية لأهداف يريدها النظام فإن قدرة الإخوان المسلمين على احتواء تلك الضربات وامتصاص آثارها الجانبية الخطيرة مثل الاستفزاز والاتجاه إلى العنف أو الإحباط واليأس من الإصلاح والقعود عن العمل والنشاط ثم المضي قدماً في تحقيق أهداف الإصلاح والتغيير وبناء جسد الجماعة وتجديده باستمرار وتعويض الكفاءات الغائبة بغيرها والإصرار على الوجود العلني الصريح للإخوان ومساهمتهم بقدر الإمكان في النشاط العام البرلماني والنقابي وتواصلهم مع بقية القوى السياسية، هذا كله أدّى إلى تقليص حجم تلك التوقعات التي لو صحت لدمرت بنية الإخوان المسلمين وشوّهت فكرتهم الإصلاحية ولأصاب المجتمع المصري منها ضرر كبير.
الصبر الإيجابي والتضحية
كان للمنهج الذي اتبعه الإخوان لمواجهة تلك الحملات المتوالية أثر كبير في تقليل حجم الخسائر على ذلك المستوى.هذا المنهج يمكن تلخيصه في "الصبر الإيجابي والتضحية والثبات" .وقد استفاد الإخوان من تجاربهم السابقة في مواجهة حملات الحكومات المصرية سابقاً وأهمها حملتان :
الأولى: قامت بها حكومة الأقلية السعدية في أعقاب حادث اغتيال النقراشي باشا وأسفرت عن اغتيال مؤسس الإخوان الإمام الشهيد حسن البنا في 12/2/1949 بعد حل الجماعة ومصادرة أموالها وممتلكاتها ومقارها واعتقال غالبية قياداتها.
وكانت النتيجة بعد عودة الإخوان إلى الساحة أن شاركوا في انقلاب يوليو 1952 مشاركة كبيرة رغم تحفظ وعدم موافقة المرشد الجديد الذي لم يكن أحكم سيطرته على القرار ولا مؤسسات الإخوان، وكان هذا في تقدير المراقبين خروجاً على نهج الإخوان التدريجي السلمي الإصلاحي التربوي، ونزوعاً إلى رغبة عارمة في تغيير الأوضاع من أعلى وليس كما يقول الإخوان من أسفل أي من المجتمع.
أثمر ذلك التغيير الفوقي نتائج مأساوية على الإخوان لأنهم أصبحوا شركاء في سلطة رفضوها وباتوا منافسين على مغانم لم يسعْوا إليها وصاروا قوة كبيرة لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها فكان لابد للسلطان الجديد أن يزيحهم من الساحة تماماً وأن يحاول الإجهاز عليهم والقضاء على الجماعة.
الثانية: ما قام به عبد الناصر خلال حكمه بدءاً من 1954 وحتى وفاته عام 1970 من تغييب كامل للإخوان عن الساحة مما أدى في البداية إلى نزوع بعض الشباب إلى التفكير في عمل عنيف أيضاً للانتقام أو للتغيير حتى خرج الشهيد سيد قطب من السجن ليصحح مسيرة هؤلاء الشباب إلا أنه لم تكتمل له الفرصة فبعد شهور انكشف التنظيم وسيق الشهيد البرئ إلى حبل المشنقة ولكن بعد أن أدرك الإخوان أن طريق العنف مسدود وأن مواجهة الاستبداد باتت الفريضة الكبرى وأن العودة إلى نهج البنا وإعادة قرائته من جديد يصحح مسيرة الإخوان ويعيد الرونق إلى فكرتهم بعد ما أصابها من تشويه متعمد طوال الحقبة الناصرية.
لذلك كان الإخوان منذ بداية خروجهم في عهد السادات واكتمال الإفراج عنهم عام 1975 وإلى يومنا هذا يؤمنون بالحقائق التالية:
- عدم جدوى العنف في التغيير وأهمية الالتزام بالمنهج الوسطي المعتدل الذي يمزج بين الدعوة والتربية والمشاركة الاجتماعية والسياسية والفكرية.
- الصبر وعدم اليأس أو الإحباط وأن الوقت جزء هام من العلاج.
- العلنية في العمل والنشاط وعدم الاتجاه إلى السرية والاختباء .
- المشاركة مع بقية القوى الإسلامية والسياسية وعدم الانعزال عنها وفق القاعدة الذهبية: نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.
- أهمية التواصل مع أجيال الشباب وبناء تنظيم اجتماعي قوى يمتد في كل القرى والبلاد وتصحيح المفاهيم المتشددة برفق وتؤدة.
- ولعب الدور الأكبر في هذه المرحلة المغفور له الأستاذ عمر التلمساني وإخوانه الذين كسبوا ثقة الشباب وصححوا مفاهيمهم وربوهم على التجرد والصبر والإخلاص والثبات.
وكان من نتائج ذلك أن الإخوان كانوا – وما زالوا – بعيدين عن كل تنظيمات العنف وأنقذوا آلاف الشباب من الانخراط في تلك التنظيمات، وحاولوا – مع آخرين – تصحيح المفاهيم لدى المتحمسين والمتهورين.
وأيضاً أسهم الإخوان في الحياة السياسية المصرية ببطء وتدرج رغبة في الانخراط السلمي في عملية إصلاح شاملة لبنية النظام المصري السياسي وتعاونوا وتحالفوا ونسقوا مع كل الأحزاب والقوى السياسية من حزب الوفد إلى العمل والتجمع والناصريين والشيوعيين وبقية القوى السياسية والمفكرين.
وشارك الإخوان – مع آخرين – في التأسيس لخطاب إسلامي معتدل يمزج بين ثوابت الدين ومتغيرات الحياة، ويقدم الإسلام كمنهج حياة للأفراد والمجتمعات لا يعوق تقدم المجتمع بل يدفعه لمزيد من التطور والانفتاح على معطيات العلم والتكنولوجيا وثقافات العالم ويؤسس لتعاون أوثق مع بقية حضارات العالم حتى لا ينقطع المسلمون عن الانخراط في تعاون بناء من أجل مستقبل أفضل للإنسانية جمعاء.
واحتفظ الإخوان بثقتهم في قيادتهم وجماعتهم رغم ما أصابهم من وهن وضعف في الاتصالات ورغم تنوع الآراء والاجتهادات.
وظل الجسد الإخوان متماسكاً رغم الضربات الأمنية ولم تحدث انقسامات أو تصدعات وحاول البعض – كما في تجربة حزب الوسط – التأسيس لمشروع جديد كان يمكن أن يكون إضافة إلا أن عناد النظام وشكوكه وتصلبه ورفضه لأي إصلاح سياسي أدّى في النهاية إلى فشل أي مشاريع سياسية أو غيرها مما أضاف إلى قوة الجسد الإخواني ولم يضعفه.
ونزح كثير من الإخوان إلى القاهرة والعاصمة ليقيموا فيها ويحتاجون إلى وقت ليتكيّفوا مع مجتمع جديد لم يألفوه، ويظل الجسد الأكبر مقيماً في الريف محتفظاً بنقائه الفطري ومحافظاً على مكتسبات المجتمع الصغير في ظل انهيارات كبيرة أصابت القاهرة والمدن الكبرى بسبب النمو المتزايد للعشوائيات وما يسودها من انحرافات سلوكية وخلقية واجتماعية.
حسابات الربح والخسارة
هل يعنى ذلك أن الإخوان أفلتوا من الآثار الجانبية للحملة البوليسية الأمنية ؟ وهل يمكن القول أنهم حولوا تلك الخسائر المتوقعة إلى مكاسب ؟
أعتقد أن ذلك يصعب التسليم به، فقد دفع الإخوان ثمناً غالياً من حرياتهم وأموالهم واستقرار بيوتهم وتنشئة أولادهم في جو آمن مستقر للحفاظ على منهجهم الوسطي وخطابهم المعتدل وقدرتهم على الإصلاح السلمي المتدرج .
لم يستفزهم عنف النظام للوقوع في دائرة الاستفزاز وفخ العنف. ولم تقعدهم الضربات عن مواصلة طريقهم والمشاركة السياسية والمجتمعية ..ولكن كانت هناك آثار جانبية أخرى لا يمكن إغفالها والتقليل من شأنها.
أهم تلك الآثار الجانبية الخطيرة التي أعاقت تقدم الإخوان وتطورهم وأبقت عليهم في نفس الدائرة ونفس الموقع – أو كما يقال : "محلك سر" – هي :
[1] الاتجاه إلى المحافظة في الرأي أو الجمود على المواقف وعدم الاستعداد والجرأة على التجديد والاجتهاد رغم ضرورة ذلك وأهميته والحاجة إليه.
[2] عدم القدرة على الابتكار في أساليب العمل السياسي والمجتمعي لمواجهة حال الحصار المفروض على الجماعة ولمواجهة حال الانسداد السياسي التي أصابت التطور السياسي في مقتل وردته إلى الخلف وللخروج من حال العزلة التي فرضها النظام على المنافذ الرئيسية التي تحرك فيها الإخوان كالنقابات والجمعيات والمساجد والهيئات الخيرية.
[3] الارتباك التنظيمي المتواصل نظراً للغياب المتقطع للقيادات العليا والوسيطة مما خلق حالة من الانقطاع وعدم تراكم الخبرات .
[4] الفشل الجزئي في إنجاز الخطط والبرامج الموضوعة وتحقيق نسب متواضعة جداً في الأداء الدعوى والتربوي والمجتمعي، وحصول الأمن باستمرار على تلك الخطط مما يُضخّم النظرة الأمنية للجماعة على غير الحقيقة ويساعد القيادات الأمنية على الإيعاز للقيادة السياسية بضرورة تشديد القبضة الأمنية ولا أدل على ذلك من أن بداية الحملات البوليسية كانت بسبب الأوراق التي تم ضبطها في قضية "سلسبيل" وهى أوراق – كما كل ما يتم ضبطه من بعدها – لا تعكس الواقع الحقيقي للإخوان بل تعكس تمنيات وآفاق رحبة لم ينفذ الإخوان منها إلا القليل، وهى كلها مفخرة للإخوان لو تم قراءته بنفس سليمة وعقل سديد لأنها تصب في صالح الوطن وإصلاحه وتطوره وتقدمه.
[5] منع الإخوان من النشاط الاقتصادي الواسع خاصة في مجالات معينة ومحاربتهم في أرزاقهم وغلق شركات أفراد الإخوان الخاصة الكبرى والمتوسطة في محاولات دءوبة لتجفيف الموارد المالية للأفراد وبالتالي ينعكس ذلك على الجماعة التي وإن قامت على الأفكار والمبادئ إلا أنها لا تستطيع كأي هيئة تضخمت أن تستغني عن المال الذي هو عصب الحياة خاصة مع توسع النشاط السياسي والبرلماني والمجتمعي.
وذلك ينعكس على قرة أفراد الإخوان الاقتصادية وإقبال الآخرين على الاستثمار معهم ومشاركتهم في المشاريع الواسعة رغم ثقتهم بأمانتهم وكفاءتهم ثم ينعكس على قدرة الجماعة بعد ذلك على توفير الدعم المالي اللازم للأنشطة الواسعة مثل الانتخابات، وهذا كان هو السبب المباشر للهجمة الأمنية الواسعة الأخيرة في قضية المهندس خيرت الشاطر وغيرها حيث صاحبت كل حملة إغلاق لعدد من الشركات المتنوعة في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي مما سبب خسائر فادحة لأفراد الإخوان ومحاولة خبيثة لتجويع بيوت عفيفة.
[6] خلق حالة من الخوف لدى الجماهير من الإخوان وفرض لون من العزلة التنظيمية على الإخوان، ولولا الانتشار الجماهيري الواسع خاصة في الريف والأحياء الشعبية لأثمر ذلك الخوف قطيعة بين الشعب والإخوان ولكن الانتخابات المتوالية أثبتت عقم ذلك الأسلوب وقدرة الإخوان على تجاوز آثاره السلبية .
[7] تشويه إعلامي متعمد للإخوان والعمل على زرع صورة نمطية عبر الإلحاح الإعلامي في برامج معينة لتضخيم خطر الإخوان وبث الشك حول نواياهم وبرامجهم الإصلاحية وقدراتهم السياسية، والحرص على منع الإخوان من المشاركة في تلك البرامج وحجبهم تماماً في السنتين الأخيرتين – باستثناء بعض النواب – عن كافة البرامج والفضائيات حتى تلك الحرة والمستقلة والخاصة حتى تسود حالة من الصمت حول أخبار الإخوان أو يتلقى المشاهدون رأياً واحداً مع الحرص على تحويل أي لقاء مع نائب إلى حالة من الصخب والضجيج دون إتاحة الفرصة لحوار جاد وموضوعي ويسثتي من ذلك فقط الإخبار التي تصب في غير صالح الإخوان.
[8] إبعاد القوى السياسية الحزبية عن الإخوان المسلمين في محاولة لعزل الإخوان وعرقلة أي إمكانية لتحالفات سياسية جديدة مثل تلك التي شهدتها الثمانينات في ظل غموض النظام الانتخابي القادم وتغيره باستمرار.
وفى الحقيقة فإن الخاسر الأكبر في ذلك هو تلك القوى الحزبية نفسها أكثر من الإخوان لأن شعبية الإخوان هي التي حملت حزب الوفد ثم حزب العمل إلى التمثيل البرلماني وتلك الشعبية تزايدت ولم تنقص في آخر انتخابات 2000، 2005 وإذا كانت الرخصة القانونية التي تتمتع بها الأحزاب هامة فإن الأهم منها هو الانتشار الشعبي والقدرة على الحشد والتعبئة والتنظيم.
ويظل الإخوان حريصون على التواصل مع تلك القوى وزيارة مقراتها ودعوة قياداتها إلى لقاءات وحفلات ويحجم هؤلاء عن تلبية الدعوات أو رد الزيارات مما يجعلهم في موضع الانتقاد لأن السبب هو إما خوفهم من النظام وخشيتهم على هياكل أحزابهم أو مشاركتهم للنظام وتأييدهم له ضد الإخوان مثل قيادة حزب التجمع اليساري.
[9] حصار الإخوان محلياً ومنع قياداتهم ورموزهم من السفر للخارج للمشاركة في حوارات وندوات ومؤتمرات دولية وعالمية هامة حول القضايا الرئيسية للأمة العربية والإسلامية مثل قضايا الإصلاح السياسي والدستوري مما يحجب رأى الإخوان ومواقفهم عن المشاركين ويمنع تبادل الرأي والمشورة ، أو قضايا العنف والإرهاب وكيفية مواجهته وحرمان الإخوان من تصحيح التشويه المتعمد والخلط المقصود بينهم وبين تيارات التشدد والغلو والعنف، وأيضاً قضايا الاستقلال ومواجهة الاحتلال مثل فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال وغيرها مما يعزل الإخوان في مصر عن قضايا الأمة من الاحتكاك بالآخرين والاستفادة من المشاركة، ويحرم الإخوان من تقديم وتمرين رموز وقيادات تكتسب المزيد من الحنكة والخبرة السياسية الدولية.
[10] منع تواصل الإخوان وقياداتهم ورموزهم مع المجتمع الدولى والدبلوماسيين والسياسيين خاصة أمريكا والدول الغربية التى لها رأى هام وموقف خطير فى أى تطور سياسي في مصر والمنطقة ويظن البعض أن رأيهما هو الحاسم في التقدم نحو الإصلاح الدستوري والسياسي من أجل الحفاظ على مصالحهم.
وهنا يتم حرمان الإخوان – وبقية القوى السياسية المعارضة – من طرح وجهة نظرهم في الإًصلاح مع الحفاظ على الثوابت الوطنية مثل الاستقلال الوطني وحماية الثروات المصرية والقدرة على حفظ الاستقرار والأمن وحل مشكلات المجتمع المصري ونظرتهم إلى قضايا المنطقة العربية والإسلامية.
[11] حرمان الإخوان المصريين من لقاء بقية الإخوان في العالم وتبادل الرأي والمشورة معهم واكتساب الخبرات المتبادلة في ظل ظروف متشابهة، وتعقيدات مشتركة وهذا يمنع من تنسيق المواقف تجاه قضايا الإصلاح والتقدم قدماً نحو المزيد من النشاط والعمل بعد مرحلة أثمرت توجهاً للمشاركة السياسية النشيطة والدفع نحو تمثيل برلماني جيد وتشكيل أحزاب سياسية في أكثر من بلد عربي وإسلامي وبناء قاعدة جماهيرية عريضة مما أفقد الإخوان زخم تلك المرحلة والتقدم نحو مرحلة جديدة قد تصل بهم إلى المشاركة في الحكم بعد تقييم تجارب قليلة في الجزائر واليمن وغيرها.
هذه أهم تداعيات الحملة البوليسية الأمنية والحصار السياسي والتشويه الإعلامي للإخوان المسلمين والتي مارسها النظام المصري طوال السنوات الماضية، والتي نجح خلالها في إعاقة تطور الإخوان وقدرتهم على التجديد والاجتهاد وحرمانهم من اكتساب الخبرات ومنع تراكم النجاح الذي حققوه خلال الربع قرن الماضي.
هل يمكن تجاوز تلك المرحلة؟
ولكن هل أمكن للإخوان أن يقللوا من هذه الخسائر المحققة ؟وهل يمكن لهم مستقبلاً تجاوز تلك المرحلة وخاصة أنها مرشحة للاستمرار ؟
إذا كانت الجهات التي عمل النظام وقبضته الأمنية الغليظة من خلالها على تعويق الإخوان وحصارهم هي :
- البناء التنظيمي .
- الساحة الإعلامية .
- الحضور السياسي وبناء التحالفات السياسية.
- التواصل الخارجي.
- الحرب على الأرزاق وتجفيف الموارد المالية، أو الحصار الاقتصادي.
فإن الإخوان يمكنهم إتباع سياسة مرنة تقلل حجم تلك الخسائر التي وقعت حتى الآن والتي يمكن أن تتوقع في المستقبل القريب.
تقوم تلك السياسة على عدة محاور :
أولاً: البعد عن المركزية التنظيمية الشديدة مما يقلل حاجة الإخوان إلى الأبنية التنظيمية المعقدة والمتشابكة.
ثانياً: اعتماد أسلوب إداري جديد يقلل حجم اللقاءات المركزية والوسيطة.
ثالثاً: إطلاق جهود الأفراد في العمل والنشاط والإبداع و التجديد والاجتهاد وعدم تقييدهم بقيود منهجية صارمة أو قيود إدارية مكبلة أو قيود تنظيمية معوقة.
رابعاً: تشجيع الكفاءات الإعلامية الفردية ودعمها، ودعم شباب المدونيين وعدم الالتفات إلى الأصوات التي تطالب بتقييد حريتهم، والدفع بشباب الإخوان إلى خوض تجارب إعلامية مهنية بعيداً عن المنابر التقليدية لاكتساب الخبرة المهنية اللازمة، وتحمل الأخطاء المتوقعة نتيجة خوض هؤلاء الأفراد في الساحة الإعلامية كأفراد بحيث لا تتحمل الجماعة أخطاءهم .
خامساً: الدفع بالكفاءات الدعوية بعيداً عن الالتزام التنظيمي، بل التقليل من وجودهم التنظيمي ورعايتهم بصورة منفردة بعيداً عن الهياكل التي قد تتسبب في إعاقتهم بسبب الملاحقات الأمنية، وإمدادهم بدعم معنوي ومادي يكفل لهم الاستقلال والقدرة على تنمية مهاراتهم بصورة فردية أو فى حلقات ضيقة بعيداً عن المتابعة الأمنيةً ، وتشجيعهم على البحث والدرس والاجتهاد وتجديد الخطاب الدعوى واعتلاء المنابر المسجدية والإعلامية بخطاب وسطى معتدل يوازن كفة الخطاب المتشدد الذي يسود الساحة الآن على أن يمتنعوا تماماً عن الخوض فيما يخص الإخوان من قضايا أو إشكالات مع الدولة.
سادساً: إطلاق حرية المواهب السياسية والبرلمانية للاحتكاك المباشر بالتيارات الفكرية والسياسية بعيداً عن تمثيل الجماعة أو التحدث باسمها ، وتشجيع الكفاءات البحثية في العلوم الاجتماعية والسياسية وإعطائهم أجازة مفتوحة من العمل التنظيمي حتى يصقلوا موهبتهم ويستكملوا بحوثهم مع متابعة عن بعد وبصورة منفردة ويمكن تخصيص منح مالية دراسية لهم مع كفالة استقلالهم العلمي.
سابعاً: اعتماد سياسة تركز على أهمية وأولوية الإصلاح السياسي والدستوري وإطلاق الحريات العامة وحماية حقوق الإنسان وإرساء دولة القانون وتحقيق العدالة الاجتماعية، قبل التمثيل البرلماني والحرص عليه.
ثامناً: الالتحام بالقوى الشعبية الجديدة واللحاق بالمطالب الاجتماعية المتصاعدة، والمشاركة النشيطة كأفراد وليس كجماعة في كافة التحركات الشعبية التي تطالب بالحقوق الاجتماعية، وتشجيع الأفراد للحركة بحرية في تلك الفضاءات المفتوحة.
قد يلاحظ البعض أن كل تلك المحاور تعتمد ما يمكن تسميته "الجهد الفردي" بديلاً عن "العمل التنظيمي" و "الخطط المرسومة" بحيث تعتمد على القدرة على التجديد والابتكار والإبداع من الأفراد وإطلاق طاقاتهم المكنونة.
وذلك لسبب رئيسي هو أن تلك المرحلة غير مسبوقة في تاريخ الإخوان حيث يعيش الإخوان منذ 35 عاماً في وضع لا هو بالقانوني ولا هو بالمحظور والممنوع، وهناك إخوان اكتسبوا خلال تلك الفترة الطويلة خبرة ومعرفة بالمنهج الإخوانى وأسلوب العمل وتمرسوا من خلال التجارب على العمل الدعوى والتربوي والمجتمعي ويحتاجون فقط إلى إطلاق طاقاتهم وتشجيعهم والدفع بهم إلى ساحة العمل بقوة.
تاسعاً: التركيز على المشاريع الاقتصادية المتوسطة والصغيرة وعدم الاندفاع في مشاريع اقتصادية واسعة تلفت الانتباه والحرص على مشاركة آخرين خارج الإخوان لتأمين تلك المشروعات من ناحية ولإضفاء قدر من المصداقية على أنها مشاريع خاصة والتوسع في تنويع الاستثمارات الخاصة في أكثر من مجال وتشجيع الاستثمار المشترك لتوفير قدر من الحماية القانونية والتقليل من اندماج مشاريع اقتصادية إخوانية وعدم خلط الأوراق في النشاط الاقتصادي وضبط كافة الأمور الإدارية والمالية والمستندية المتعلقة بالأنشطة الاقتصادية بصرامة شديدة لقطع الطريق على أي ثغرة قانونية وللحصول على التعويض المناسب بعد انكشاف أي أزمة وانتهاء أي قضية.
عاشراً: المشاركة الفردية في مشاريع الإعلام الخاصة داخل وخارج مصر بهدف تحقيق الحد الأدنى من الإعلام الهادف والموضوعي لإيجاد أرضية مناسبة لتنمية وعى الأمة والجماهير بقضاياها الحقيقية بعيداً عن الإسفاف والتردي الموجود حالياً، وتشجيع الإعلام الإسلامي الهادف الذي يخاطب الجمهور خطاباً معتدلاً وسطياً.
وتشجيع المستثمرين من الأفراد للاستثمار في مجال الإنتاج الإعلامي بكافة جوانبه للشباب والأطفال والدراما والحوارات وغيرها.
والدفع بكفاءات صحفية وشبابية للتدريب على كافة مراحل العمل الإعلامي وتشجيعهم على العمل في كل المسارات الإعلامية مع الحفاظ على هويتهم وتمتين روابطهم الخاصة.
مسؤولية الجماعة
فإن الفهم الصحيح لمراحل العمل التي ألزم بها الإمام المؤسس الشهيد حسن البنا كل أخ مسلم يعلم أن المراحل الثلاث الأولى وهى إصلاح النفس وتكوين البيت السلم وإرشاد المجتمع هي مسئولية فردية في المقام الأول ثم هي مسؤولية الجماعة .
بعد ذلك في الإرشاد والتوجيه وتهيئة المناخ المناسب وتبادل الخبرات اللازمة أما المسئولية الرئيسية فهي مسئولية الأفراد أنفسهم ويجب إفهامهم ذلك وتحميلهم تلك المسئولية.
ورغم أن الإخوان في مناهجهم وبرامجهم وخططهم وتوجهاتهم يقولون ذلك ويكررونه إلا أن الممارسات العملية تبتعد عن ذلك قليلاً أو كثيراً أو الواقع الملموس يوضح أن الأفراد باتوا يعتمدون على الجماعة في كل جهود هم ويحملونها فوق طاقتها ، فما السبب ؟.
أعتقد أن مرد ذلك كله يعود إلى 3 أسباب:
أولاً: التعقيد الإداري الحالي الذي نوّع اللجان بكثرة وأثقل الأفراد بلقاءات إدارية على مستويات عديدة، واستهلك أفضل الطاقات الإخوانية في أعمال مكتبية وورقية وألزم الأفراد بخطط تفصيلية قد لا تناسب كل البيئات والمواقع وخنق المواهب بقيود الاستئذان أو التكليفات.
ثانياً: الالتزام بمناهج تثقيفية محددة رغبة في التسهيل على الأفراد فإذا بها تدفعهم إلى التبسيط والكسل المعرفي والقعود عن التحصيل وضعف الهمة في الدرس وذلك إنما هو ثمرة المناخ العام الذي أفسد الشباب وأفسد العمليات التعليمية والتربوية التثقيفية العامة وما أفراد الإخوان إلا نتاج المجتمع الحالي، فنادراً الآن أن تجد شاباً مثقفاً قارئاً ذو عقل متفتح وقدرة على التمييز بين الآراء.
ثالثاً: القيود التنظيمية المشددة، واتساع عمل الإخوان والتشابك الشديد بين ضرورة الإحساس بالمسئولية الفردية وبين ضرورة الالتزام بخطط الجماعة التفصيلية جداً، والتضارب بين القيام بالواجبات الفردية على كل المستويات الدعوية والتربوية والمجتمعية وبين الإحساس بالتقصير فى تنفيذ ما هو مطلوب إخوانياً لمزيد من الانتشار والتوسع وكسب الأنصار والمؤيدين وتأطير المستجيبين للدعوة وهم كثير.
إذن عموم أفراد الإخوان يحتاجون من كل مستوياتهم القيادة إلى عدة أمور:
[1] إتاحة المزيد من الوقت لهم للاهتمام بالجهد الفردي.
[2] إطلاق حرية العمل والاجتهاد مع المتابعة والتقويم.
[3] الدفع بهم إلى الاجتهاد والتجديد الفكري والثقافي وأيضاً في مسائل العمل الدعوى والمجتمعي.
ويبقى للقيادات العليا والوسيطة الاهتمام برسم الاستراتيجيات العامة ووضع السياسات المطلوبة ومتابعة الالتزام بها والإرشاد عند الخروج عنها بعد تقويم النشاط والجهود الفردية.
تلك مرحلة حرجة في تاريخ الإخوان غير مسبوقة كما أشرت تحتاج إلى اجتهاد جديد من أجل الانطلاق بعد انفراج الأزمة إلى عهد جديد يبشر بمزيد من النجاحات إن شاء الله.
القيادي البارز بجماعة الإخوان المسلمين في مصر.