الأربعاء، 30 يونيو 2010

الإخوان بين المقالات المنمقة والواقع المؤلم


د . عبد الرحمن مختار :


حركة الإخوان المسلمين في مصر ترفع شعار العمل مع المجتمع والتواصل معه منذ عشرة سنوات مضت تقريبا ، وتحتوي برامجها وخططها المكتوبة على وزن نسبي كبير لمحور العمل مع المجتمع .


وقرأت وتابعت في الفترة الأخيرة عدة مقالات على الموقع الرسمي للجماعة عن إرشاد المجتمع والتواصل معه بكافة فئاته ومحاولة نشر الخير فيه ، وتلك المقالات تعتمد أساسا على كلام الأستاذ البنا في رسائله ، ثم التفصيل والاسترسال في معانيها دون الخوض في أمر الواقع أو النماذج العملية التي تطبق ذلك الكلام أو حتى كيفية إنزاله من الورق والخطط والبرامج إلى الشارع والواقع الملموس .


وفي ظني أن الإخوان جملة يبتعدون عن الشارع ، ويزداد هذا البعد كل يوم عن سابقه .


وأصبح الكثير يحلقون في سماء الكتابات العاطفية الفضفاضة ، والتي لا تسمن ولا تغني من جوع ، فهناك من يستغرق داخل الكتابات المنمقة ويرى فيها حسن العرض وطيب الكلام والمثالية الزائدة ، وتلك الكلمات تحجب عقله عن رؤية الحقيقة المؤلمة والواقع الحقيقي لمسألة الإخوان والمجتمع .


فالواقع أن الإخوان أبعد من ذي قبل عن المجتمع وعن الشارع ، لشواهد وأسباب كثيرة ، منها ما يلي على سبيل المثال لا الحصر :


1 – التأخر في التحرك لقضايا الشعب الحقيقية :


أين الإخوان من الحراك الشعبي في البلد ؟ وأين هم من قضايا الوطن الحقيقية ؟


أين هم من قضية الطوارئ وحقوق الإنسان ؟ أين هم من قضايا الحريات والعدل ؟


أين هم من الحراك العمالي في مصر وتدني الأجور والظلم والفساد والرشوة ؟


عادة ما يكون التحرك بالآلاف لنصرة غزة وقضية القدس ( وأنا هنا لا أقلل من شأن قضية القدس ) أو في مواسم الانتخابات .


ونسينا أنه لا حل لمشكلة القدس إلا عندما تحرر الأوطان من الظلم والطغيان ونشر قيم الحرية والعدل والمساواة .
لماذا لا نقدم تلك الآلاف لنصرة قضايا المواطن الحقيقية ؟


نكتفي باستجوابات النواب داخل مجلس الشعب الهزلي والذي يسيطر عليه حزب فاسد وحكومة فاشلة !!
أين التحرك الشعبي مع المواطن ؟


الأفراد التي لا قضايا لهم ولا هم لهم نزلوا للشوارع لمناصرة قضية مقتل الشاب السكندري ، وكان رد فعل الإخوان كعادته بطيئا حذرا مترددا .


لماذا لم يخرج الإخوان من غرفهم المغلقة وحساباتهم ونقاشاتهم الطويلة ؟


2 – ندرة الرموز المجتمعية :


وذلك في ظل التضخم الإداري لدى الجماعة ، فالكفاءات والرموز تتجه ناحية العمل الإداري وتعقيداته وكثرة هياكله ، فالأخ من الإخوان يقضي معظم أوقاته الدعوية في مناقشات ومتابعات وورق وخطط ( وأنا هنا لا أقلل من أهمية المتابعات ووضع الخطط ) ولكن مع التوازن والمراجعة والتصحيح .


ويدلل على ما أزعم في تلك النقطة نسبة أعداد الإخوان في كل شعبة أو منطقة إلى نسبة المعارف والأحباب من الدوائر المحيطة بكل فرد داخل الإخوان ، فشبكات علاقات الإخوان اضمحلت كثيرا ويشتكي الناس في كل مكان أنهم لا يرون الإخوان إلا في مواسم الانتخابات .


أصبح الوجود في المساجد وبين الناس قليلا أو قل نادرا ، وقلت مشاركتنا لنا همومهم وأفراحهم وأحزانهم ، أصبح المجتمع من حولنا يبحث عن رموز الإخوان فلا يجد إلا قليلا .


3 – الاتجاه إلى العزلة والانغلاق وإن تكلمنا بغير ذلك :


تلمح ذلك في اتجاه الإخوان في عمل غطاء عازل عن المجتمع بدلا من الانخراط فيه وإصلاحه ( كتدشين مواقع كإخوان فيس بوك وإخوان تيوب ) فضلا عن كون هذه التجارب المقتبسة أو المقلدة تعبر عن فشل في الإبداع والابتكار.


ولا أدري صراحة كيف صرح الدكتور محمد مرسي أحد المتحدثين الإعلاميين للجماعة عن تبني الجماعة لموقع إخوان فيس بوك !!!


وتلمح ذلك أيضا من عدم تقبل النقد سواء من داخل الجماعة أو من خارجها ، وللأسف النقد من داخل الجماعة يكون التعامل معه أكثر عنفا من التعامل مع المنتقد من خارجها .


وتلمح ذلك أيضا في التشديد على عدم التأثر بالأفكار الخارجية والتمسك بـ( ثوابت ) الجماعة وأفكارها ويكون التحصين في تلك النقطة بالنشرات والكتيبات والمقالات في هذا الصدد وفي هذا الشأن .


وكان أولى بقيادة الجماعة أن تنمي دور العقل في البحث والتحليل والنقد لكل الأفكار الداخلية والخارجية ومحاولة الحكم عليها بصورة منهجية سليمة .


4 – الاقتصار في التواصل على النخب :


اقتصر تواصل الإخوان في الفترة الأخيرة على النخب السياسية والفكرية ، وكان هناك عدم اهتمام برجل الشارع العادي من الجيران وأصدقاء العمل ورواد المساجد ، وقلت الدعوة والوعظ ونشر الخير في تلك الطبقات والدوائر .


وترى أن أضعف أقسام الجماعة في مختلف المحافظات والمناطق هل لجان العمل العام ونشر الدعوة .


فالبرامج على الورق وفقط ، ليس هناك خطوات واضحة أو نماذج عملية أو كفاءات ورموز مجتمعية تستطيع أن تنطلق وسط عوام الناس والأصدقاء والأهل والجيران .


أصيب الكثير من الإخوان بالعزلة والانغلاق فضلا عن هروب كثير من الشباب إلى العالم الافتراضي ( المنتديات وساحات الحوار ) وانعزلوا عن الشارع ورؤيته الحقيقية إلى عامل وهمي وحولوه للأسف إلى ساحات معارك فكرية وصخب وتعصب وجدل عقيم بدلا من استخدامه كوسيلة راقية في التواصل والتعارف .



وأخيرا أدعو الإخوان إلى اهتمام حقيقي بالمجتمع وإلى تقييم علمي ومنهجي سليم لما قمنا به في العشر سنوات السابقة ، والوقوف على الإيجابيات والسلبيات بتجرد وأمانة ، ولنقل ما لنا وما علينا ، ولا نخشى في الله لومة لائم .


فالمجتمع هو أحد أسرار قوة الإخوان ومنه يستمد الإخوان شرعيتهم كما يقولون .


abdelrahmanmokhtar@live.com

الأحد، 20 يونيو 2010

ليبق الإخوان طلاب عدالة


مصطفى كمشيش 19-06-2010 23:32

نشرت "المصريون الموقرة" في 2009 م مقالا بعنوان : هل يقاطع الإخوان الانتخابات,كما نشرت مؤخرا مقالا بعنوان"الانتخابات أخت المفاوضات"ثم يأتي هذا المقال ليدور في الفلك ذاته, وقد وافق على مقاطعة الانتخابات بعض المهتمين بالأمر ورفضها آخرون..لذلك أود إبداء كامل الاحترام والتفهم لرؤية المنادين بضرورة المشاركة في جميع الانتخابات التي تجري على أرض مصر, وأود في الوقت نفسه اتساع الصدور لرؤية المقاطعة, موقنا أن تنوع الرؤي صحي وضروري, كما أنه من شأنه أن يبلور رؤى جديدة تنبثق من تلاقح الأفكار, ولعلها تكون الأسلم والأنفع للوطن الذي نحبه جميعا ونسعي لخيره..

أولا : تحرير المصطلح

فهذا المقال يتعلق برؤية حول انتخابات مجلس الشعب 2010 م ,وأجد من الأهمية بمكان تحديد هذا التخصيص, تفاديا لتعميم مخل, فتعبير"المشاركة في الانتخابات" يختلف عن تعبير"المشاركة السياسية", وتعبير انتخابات مجلس الشعب يختلف عن غيرها من الانتخابات,وحصر الرؤية في سنة 2010 يميز هذه الرؤية عن غيرها من السنوات(فالسابقة كان لها معطياتها, واللاحقة "بمستجداتها "قد يكون لها قراءة مختلفة).

والخلاصة : أنها قراءة خاصة لحالة محددة في زمن محدد ومكان محدد.

ثانيا: الواقع المحيط

إن هذه القراءة الخاصة لحالة بعينها في مكان وزمان محدد, لا يعني فصلها عن"المناخ" المحيط بها, لذلك أرى أن قراءة الواقع المحيط (المحلي - الإقليمي – الدولي ) يعتبر أمرا هاما, سياسيا واقتصاديا, وذلك بشكل مبسط , لعله أن يعين صانع القرار..

الواقع المحلي: تعيش مصر واقعا مأزوما جدا نظرا لشيخوخة الحكم من ناحية, وافتقاد الرؤية المستقبلية من ناحية أخرى, وقد قام النظام بتحصين نفسه بحزمة من التعديلات الدستورية والقانونية أهدرت جميع الضمانات لتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص, وقد كشفت ممارسة النظام في انتخابات مجلس الشورى 2010 م عن هذا الواقع المأزوم, فلم يقم النظام بإنجاح مرشحيه فحسب ببضعة آلاف من الأصوات,ولكنه أراد "إبان أزمته" أن يبدو قويا, وذلك بإظهار عدم اكتراثه بأحد "في الداخل والخارج" عندما أصر على الإعلان عن نجاح مرشحيه بمئات الآلاف من الأصوات !! ثم امتد نظر النظام لإعداد المشهد لانتخابات الرئاسة القادمة (2011) بالسماح بنجاح ممثلي الأحزاب التي ستشارك فيها, انتقالا لاختيار المتنافسين انفسهم, مثل التركيز على مشاركة رئيس حزب"يبدو معارضا" في انتخابات مجلس الشورى الأخيرة ,إذ لم يكن من المناسب للمرشح لرئاسة الجمهورية أن تكون عضويته بمجلس الشورى بالتعيين, ولذلك تم تدشين حملة دعائية ضخمة له في الميادين الرئيسية بمحافظته, ثم إنجاحه على حساب مرشح الحزب الوطني !!.

الأمر الأخر الذي شكَّل ارتباكا إضافيا للنظام هو وجود مشهد "البرادعي" في الصورة,مما أضاف عاملا جديدا لحرمان أي مرشح مستقل "مُحتمل"من تحقيق"النِصاب" المطلوب توافره من أعضاء المجالس الشعبية والمحلية وفقا لشروط المادة 76 ..

أما الواقع الاقتصادي,فيمثل ضغطا كبيرا على المستوى الشعبي,لا يجعله يفكر بغيره !!

الواقع الإقليمي: إن التهاب الملف الإيراني أولا, ثم اكتساب الملف الفلسطيني زخما كبيرا هذه الأيام, يؤدي الى تركيز الواقع الإقليمي فيهما, ويؤدي ذلك الى تراجع الملفات الأخرى ومن بينها ملف الديمقراطية والإصلاح السياسي ..

الواقع الدولي : يظل التحدي الإيراني في المنطقة من أهم الدوافع للمحافظة على الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة ,حيث أن " تجييش " الدعم المطلوب من المنطقة العربية للجهود الأمريكية ضد ايران لا يجعل الأمريكان يغامرون بخسارة أي حليف لهم في هذا الوقت ..

, وما محاولة الولايات المتحدة "تسكين" الملف الفلسطيني عبر نشر بعض الخلافات بين الإدارتين الأمريكية والصهيونية,واستنكار حصار غزة, ورحلات ميتشيل, وغير ذلك, ما هو إلا لذر الرماد في العيون, لخدمة الملف الأهم وهو الملف الإيراني..

وتبقى الأزمة الاقتصادية العالمية تلقي بأذيالها على صانع القرار الدولي ليكون الاقتصاد في الصدارة والسياسة تابعة له ( باختصار شديد )!!

جدوى المشاركة في الانتخابات !!

أظن أنه من الانصاف النظر الى الأمر من خلال عدة زوايا:

أ/ ايجابيات المشاركة

تبقى المشاركة في الانتخابات أحدي الوسائل الهامة للتحصين من جهة ولدعم الحضور السياسي والقانوني من جهة أخرى..

بينما تتراجع أهمية الدوافع الأخرى التي يطرحها المنادون بالمشاركة ( كنشر الفكرة,وفضح النظام وإظهار سوءاته, ومدافعة الباطل, والتواصل مع المجتمع) إذ لا يصح "قصر"هذه الأهداف على عدة ايام كل عدة سنوات (موسم الانتخابات) يتركز فيها كل وسائل التضييق والمتابعة, بينما تخف وطأة هذه التصرفات في غير الموسم لمن أراد العمل بهمة ونشاط وجدد وابتكر في وسائله وآلياته..

ب/ دوافع المقاطعة :

1/ غياب الدعم والضمانات

وفقا للقراءة المبسطة للواقع المحلي والإقليمي والدولي (سياسيا واقتصاديا) فإن المشاركة في الانتخابات الحالية بلا دعم ولا ضمانة, فلا حراك شعبي سياسي معتبر ( فالحراك الحالي اقتصادي فئوي محدود), ولا ضمانات محلية كالإشراف القضائي, ولا وحدة معتبرة للمعارضة, كما لا توجد ظروف اقليمية أو دولية مساندة أو ضاغطة, ولعل المشهد كما أوضحه الشاعر : كالساعي الى الهيجا بغير سلاح!!

2/ عدم تحقق الأهداف

فلا المقعد متاح ( وربما ينصح بعض أذكياء النظام بالسماح بنجاح قلة من المرشحين المستقلين دعما للترويج الإعلامي للنظام حول نزاهة الانتخابات, وإن كانت ممارسة النظام في انتخابات الشورى قد أظهرت أنهم لا يأبهون لأحد "في الداخل أو الخارج", وإنهم لا يخشون فضيحة ولا غيرها, كما أن التجاهل العالمي بهذه الانتخابات قد بلغ أعلى درجاته لأن أولوياته تنصب حاليا على ملفات أخرى!)

كما أن الأهداف الأخرى يصعب تحقيقها ايضا, وأكرر: فليكن السعي لتحقيق هذه الأهداف طيلة العام, وألا تقتصر على الموسم..

ولعل رفع الواقع الكاشف لفتور المجتمع بشكل عام ( والإخوان جزء منه) بعد النجاح المعتبر للمعارضة في انتخابات مجلس الشعب 2005 يرجع سببه لحالة القهر الناتج عن إدراك الناس عدم وجود أي بارقة أمل تفيد بتغيير الحال للأحسن في كآفة المجالات, فما بالنا بأثر الاحباط الأكبر والفتور الأعم عند غياب هذا النجاح؟؟

أما محاولة ربط النجاح بغير الحصول على المقعد فهو ربط تنظيري وغير مؤثر,ربما يصلح لتهدئة الخواطر, أو لكيد الخصوم, لكنه لن يمنع الآثار السلبية المتحققة والتي يراها بوضوح من يعمل وسط الناس ويختلط بهم أختلاطا كاشفا (وهنا تبرز أهمية الفارق بين "حركة محمودة " تستغرق عدة أيام أثناء الانتخابات, والأثر السلبي لنتائج الانتخابات على الناس والذي يمتد لعدة سنوات..

3/ لم يتحقق تحصين الدعوة وتحقيق الشرعية القانونية في ظل مشاركة 88 نائبا إخوانيا بمجلس الشعب, فقد جرت محاكمات عسكرية واغلاق شركات ومصادرة أموال واعتقالات بلغت الألاف في ظل تلك المشاركة غير المسبوقة , كما أن هذه المشاركة لم تمنع التعديات( التعديلات) الدستورية المعيبة.. وأحسب أن تحصين الدعوة وتطوير الشرعية السياسية والقانونية يكون بتركيز العمل على تغيير قواعد اللعبة السياسية وعلى النظر في تغيير الذات أيضا..

ج / ايجابيات المقاطعة :

1/ إعلاء القيم : فالساعين الى" نبل الغاية "يهمهم بنفس القدر" شرف الوسيلة", والوسائل التي تجري بها الانتخابات حاليا لا تُشرف المشتركين فيها..

كما أن الانسحاب من المشاركة ( وفقا لمعطياتها الراهنة ) سيحمل رسالة " لمن يهمه الأمر"مفادها: أن الإخوان طُلاب عدالة "كما يؤكد على أن الجماعة ليست جماعة براجماتية, فعند غياب العدالة تغيب المشاركة ليستبدل بها السعي لتحقيقها.

2/ المشاركة في الخطأ خطأ

إن أخطر نتائج المشاركة في الانتخابات وفق قواعد غاية في السوء والضلال يعني ضمنيا (كما ذُكر من قبل ) القبول بها ( شرعنتها ) , فكل الوسائل التي تجري بها الانتخابات بمعطياتها الراهنة ليست صوابا أبدا , حتى وان تحقق من خلالها قدرا ما من المشاركة فهي مشاركة ( يقينا ) لن تحقق حقوقا ولن تمنع مضارا..

3/ إن الرافضين للمفاوضات العبثية مع الصهاينة أحرى بهم رفض الانتخابات العبثية مع الأنظمة لعدم جدواها , والرافضين للتقدم الى لجنة الأحزاب لتأسيس حزب بسبب غياب عدل ومنطقية اللجنة أحرى بهم عدم المشاركة في انتخابات تفتقد أيضا العدل والمنطقية..



4/ الرد على القول بأن انسحاب الإخوان من الانتخابات سيؤدي لنزاهتها , وبافتراض أن ذلك صحيحا :فلعله ثمناً للحرية يدفعونه عن طيب خاطر حتى تعتدل الأحوال, أما إذا أجرى النظام الانتخابات بطريقته المعتادة, عندئذ تتحقق فضيحة أكبر للنظام, فالنظام الذي يتعلل (للداخل والخارج ) بأنه يُزَوّر الانتخابات ليمنع التيار الإسلامي من الوصول للسلطة, فإن مقاطعة الإخوان للانتخابات ستسقط هذه الحجة التي يتذرع بها, وسيكون ذلك بمثابة نزع ورقة التوت الأخيرة التي يستتر بها النظام !! .. وفي نفس الوقت تستثمر هذه المقاطعة لإجراء قدر من التقييم والمراجعة لملفات كثيرة, ولعلها تكون فرصة للجُهوزية السياسية المعتبرة, وحسم بعض الملفات المرتبكة حسما لا لبس فيه (الشعار والمساروالحزب والتثقيف والبرنامج وغير ذلك) حتى إذا حانت فرصة حقيقية للإصلاح والخلاص من الاستبداد, كان لها مسارها ورجالها وبرنامجها.

ومع ذلك , فإن انسحاب الإخوان لن يؤدي بالنظام لإجراء انتخابات نزيهة لأسباب عديدة, إذ أن تضارب أصحاب المصالح داخل النظام نفسه سيجعله يفضل فريق داخل الحزب دون أخر , ومعارض دون أخر .. ولن يتأتي ذلك له إلا من خلال تزوير النتائج.كما لا اعتقد بصحة القول : بأن انسحاب الإخوان من المشاركة في الانتخابات يعني إفساح المجال للفاسدين, لأن المساحة المقترحة أصلا للمشاركة لا تتجاوز 20% - وهذا يعني ترك فراغ يمثل نسبته 80% من مساحة المشاركة يشغله من يشاء إن كان فاسدا أو غير ذلك ..

5/ إغراء النظام لآخرين بحلولهم محل المقاطعين سيكللهم بالخزي والعار التاريخي , وقد ظهر ذلك من استنكار بعض اعضاء حزب التجمع على حصول الحزب على مقعد دمياط ..

6/ المقاطعة تشكل موقفا ايجابيا وليس سلبيا وخاصة إذا كنا (كما قال فهمي هويدي) بصدد تمثيلية تتمسح فى الديمقراطية وتدعيها، فالمقاطعة تشكل موقفا احتجاجيا على أصل اللعبة وطعنا فى شرعيتها, كما أن حرمان النظام من لاعبين حقيقيين يسحب من العملية زخمها. أعمال مقترحة

وإذ أوضحت أن مقاطعة الانتخابات لا تعني مقاطعة السياسية, فثمة أعمال هامة يمكن العمل عليها تزامنا مغ المقاطعة, منها:

1/ تكوين أوراق : كما أن المفاوض بحاجة الى سند من مقاومه تدعمه عند التفاوض, فالسياسي ايضا بحاجة الى أوراق يستطيع أن يدعم بها موقفه, وموقعه, ومكانته , وحضوره السياسي, إذ لا يغيب عن ذهن المتابع أن الانتخابات هي ثمرة أو حصيلة أو حصاد لعمل يسبقه, وكلما استطاع المشتغل بالعمل العام أن " يُراكم " من أوراقه كلما استطاع الاستفادة منها عند الحاجة, وكلما كانت هذه الأوراق تحقق مصلحة للغير كلما كان من الصعب على النظام أو غيره تهميش أو اقصاء الإخوان عن العمل السياسي , ولعل العمل بجدية فائقة على إضافة الشرعية السياسية والقانونية للشرعية الشعبية تحتل الأولوية القصوى للحركة.

2/ تظل" كتلة الإخوان التصويتية" رقما مؤثرا وهاما , وهذا من شأنه استثمارها استثمار فعالا, فمن الممكن التفاهم ثم الإعلان عن " قائمة المرشحين الوطنيين المدعومة من الإخوان " وحث بعض الشخصيات الوطنية التي لها حضور سياسي هام وحضور شعبي ضعيف على المشاركة, وهذا من شأنه أن يحقق تفاهمات قوية, ومن شأنه أن يدخل النظام في خصومة متزايدة مع هؤلاء ( إن أقصاهم بالتزوير ), وهذا يعني عدم غياب الإخوان عن المشهد السياسي وإن غابوا عن المشاركة في الانتخابات, وقد رأينا سعي المرشحين لانتخابات الرئاسة الماضية 2005 , والمرشحين على مقعد النقيب في بعض النقابات على التنسيق مع الإخوان, وقد تتحقق مكاسب سياسية وفقا لتحالفات أو مفاهمات, بأكثر من المشاركة ذاتها, وكم نرى على مستوى العالم أثر "جماعات" بعينها (إقتصادية واجتماعية) على الانتخابات, وعلى صانع القرار السياسي لدرجة أن يصفها المراقبون بجماعات الضغط الهامة والمؤثرة التي يسترضيها السياسيون ويسعون لتلبية طلباتهم..

3/ توضيح أهمية تواجد التيار الإسلامي الوسطي المعتدل ضمن منظومة العمل العام قطعا للطريق على دعاة العنف,فإقصاء التيار الوسطي السلمي المعتدل عن العمل العام يمثل دعما مجانيا لدعاة العنف وتصويبا لموقفهم الرافض للتغيير السلمي وقصره على التغيير الجهادي أو العنيف, كما أن وجود التيار الإسلامي على ساحة العمل االعم يحقق التوازن المجتمعي المهم بين شرائح المجتمع الفاعلة ( أقباط – علمانيون – ليبراليون – يساريون .. الخ )

4/العمل على تبني " مشروع وطني " مُجمع للقوى الوطنيه ملخصه : " تغيير قواعد اللعبة" بما يعني : المشاركة وفق قواعد صحيحة, تشمل المطالب الوطنية المتفق عليها "غير الايدلوجية "بما يحقق شعار: التعاون في المتفق عليه "

وأخيرا : هذه ليست دعوة للسكون والدعة وإيثار السلامة, إنما هي دعوة للتنقل الرشيق بين الوسائل والأدوات لتحقيق الأهداف المرجوة, كما انها دعوة للإعداد الجيد السابق لأي عمل, حتى إذا حان وقت العمل تحقق للجاهزين أفضل الحصاد..

وفي النهاية,هذه رؤيتنا البشرية القاصرة, ولعل الله قد أدخر لأمتنا خيرا لا نعلمه ولم نكن نتوقعه, يتحقق في القريب العاجل ..



mkamshish@hotmail.com


نقلا عن جريدة المصريون