
تلقفتني دعوة الإخوان في أواخر مرحلتي الثانوية ، وقد انبهرت بها انبهارا شديدا .
انبهرت بشباب مسلم صالح مصلح بعيدا عن تفاهة وانحراف الكثير من أبناء الأمة الإسلامية .
تمنيت أن أكون منهم وأساهم معهم في نهضة مجتمعاتنا في المدارس والكليات والبيوت والشوارع والعائلات .
من أجمل ما أبهرني المشاعر والأحاسيس بين الإخوان بين كبيرهم وصغيرهم ، بين مسئوليهم وأفرادهم ، بين غنيهم وفقيرهم ، بين كل شرائح الإخوان المختلفة دون تفرقة بين سن أو مكانة أو تعليم .
لم أنس أول رحلة ( كانت إلى العين السخنة ) ذهبت فيها مع الإخوان ورأيت ذلك الحب العجيب والذي لم أره قبل ذلك ، رأيته في العيون والقلوب .
رأيت كيف كان الإحترام والحب لكل الأساتذة ، فكان كل منا يتسابق ليضم أحد الأساتذة إلى فريقه ويسعد به ، شعرت بسعادة لم أشعر بها من قبل ، ومرت السويعات سريعا وتمنيت لو أن الزمن يتوقف بنا حتى لا تمر بنا تلك اللحظات الخالدة والتي غمرت نفسي وروحي بالسعادة وكان قلبي يطير من الفرح يومها لأنها كانت أول رحلة بعد إلحاح شديد استمر شهور على أحد الأساتذة لأنضم إلى الجماعة وكان يقول لي : " كل شئ في وقته " وعندما أخبروني بالرحلة أدركت أنه تم ضمي لتلك الفرقة ، فرقة الإصلاح الإخوانية .
ولم أنس وقت لعب الكرة يوم الجمعة ولم يكن لقاءا رياضيا فحسب إنما كان لقاءا للقلوب والأرواح ( على الأقل كان هكذا بالنسبة لي ) ، رأيت بعيني خوف الإخوان على بعضهم وحبهم لبعضهم ، رأيت من كان ماهر بلعب الكرة لا يريد أن يتفوق على قرينه في مواجهة كروية أمام المرمى حتى لا يحرجه أمام إخوانه بحركة من حركات الكرة .
قد يظن البعض أن هذه الأحداث والقصص هي بسيطة أو ولكنها في ظني عميقة الأثر والبعد .
لم أنس أساتذتي وشيوخي من الإخوان وأنا بعيد عنهم آلاف الأميال لعملي خارج الجمهورية ، لم أنس ما تعلمته منهم .
لم أنس أخي الأكبروشيخي وأستاذي فلان والذي احتفظ باسمه احتسابا له في زيادة أجره عند الله والذي علمني الكثير والكثير من فقه وأخلاق وسلوك وحركة ودعوة ، كان موسوعة وكان حكيما ذو بصيرة ، يقرأ ما بداخلي قبل أن أتكلم ، كان يفرد لنا من وقته ومن راحته ومن جهده .
لم أنس دراجته والتي ظلت معه سنوات يتحرك بها بعد صلاة العشاء ليتفقدنا ، يزور هذا ويتفقد هذا ويسأل عن هذا ، وكان دائم التجميع لنا نحن شباب الإخوان في منطقتنا ، كان دائما يجمعنا على الخير .
لم أنس تلك الدراجة والتي أعتقد أنها ستشهد له يوم القيامة .
لم أنس أخي فلان وكان من أوائل المسئولين عني في دعوة الإخوان ، وكان يعمل خراطا وكنت طالب جامعي مسئول عن عمل من أعمال التيار الإسلامي داخل الجامعة ، كان خراطا ولكنه علم الكثير من اًصحاب الشهادات ما لم يتعلموه من غيره .
وأشهد أني تعلمت من ذلك الأخ الكبير والأستاذ العظيم ما لم أتعلمه من غيره كبصيرته في الناس ورقة مشاعره وصبره على البلاء وتحركه في دعوته بهمة ونشاط ولم يقعده مرض ولده عن حركته ونشاطه .
قد يظن البعض أني مبالغ فيما أروي وأحكي ، ولكنها حقيقة على الأقل من وجهة نظري ومشاعر حقيقية أشعر بها وتملأ على كياني ووجداني .
شيئا فشيئا بدأ الواقع يتبدل ويتغير .
بدأت المشاعر تنحسر وتجف وتذهب بعيدا ، زحفت نحونا التعقيدات الهيكلية والصرامة التنظيمية .
زحف نحونا عمل الشركات بجفافه وقلة مشاعره ومتابعاته الورقية وتعقيداته الإدارية ( ولست هنا بصدد تقييم العمل الإداري وهياكل الإخوان )
ولكني أحزن على مشاعر وحب ضاع شيئا فشيئا ولم ينتبه إلي ذلك أحد ، أو انتبه وتغافل .
تبدل الإخوان وأصبحوا غير ما رأيت منذ سنوات طوال مضت .
أستاذنا وشيخنا يترك الدعوة بعد أن كان محركها ومفتيها وراعيها في منطقتنا .
ترك الدعوة بعد ان قال له أحد قادة الإخوان إني غير قلق على تلك الشعبة طالما أنت فيها .
ترك الدعوة بعد أن قام تلاميذه بالتحقيق معه واتهموه أن دروس العلم التي يلقيها في المسجد هي التي تخرب عقول الإخوان .
ترك الدعوة بعد أن حذرالمسئولون الأفراد أن يسمعوا له .
سمعت وأنا بعيد عنه آلاف الأميال ولا أستطيع أن أفعل شيئا .
اتصلت بكل من أعرف وأقول له ماذا حدث ؟
هل هذا الشخص هين عليكم إلى هذا الحد ؟ ألم يزره أحد ؟ ألم يشعره أحد أنه مهم بالنسبة لنا ؟
أين الشباب الذي رباهم وأصبحوا رجالا وأصحاب بيوت ومسئولين كبار ؟
اتصلت بأستاذ من أساتذتي وكان حانقا على الوضع قال لي : والله يا دكتور قلت لهم أن دعوة يتركها مثل هذا الأخ لهي دعوة إلى سوء ، وعلاقتي بالشيخ لن تنقطع حتى أموت سواء كان داخل الإخوان أو غير ذلك .
وأنا لست بصدد تقييم من المخطئ في قرار ترك الإخوان ، ولكني أتعجب أين ذهبت المشاعر والأحاسيس
أتعجب أين الشباب والذي يدين له كل واحد منهم جميعهم بالفضل له بعد الله سبحانه وتعالى ؟ لماذا لم يجمعوا أنفسهم ويراجعوه ؟ لماذا لم يشعروه بمكانته في قلوبهم ؟ لماذا لا يعتصموا داخل أسرهم الإخوانية حتى يرجع عن قراره ويرجع إلى صفوف الدعوة ؟
ألا يستحق كل أخ من الإخوان تلك المشاعير والأحاسيس فضلا أن يكون أخا ومربيا وشيخا وحكيما وله أيادي بيضاء على الدعوة وأبنائها .
أين ذهب الحب والتقدير والإحترام ؟ أم كان الحب زائفا والمشاعر وهما وسرابا ؟
أين ذهب الحب من قلوب الإخوان ؟ أكان حبا في الله أم حبا في التنظيم ؟
رأيت ما لم أكن أتخيله ولا أريد أن أراه بين الإخوان .
شيخ يترك الدعوة ولا يهتم أحد ، وأخ يشهد له الجميع أن له حالا مع الله ولم يترك الصف الأول في المسجد لسنوات وسنوات لمجرد أنه راجع الإخوة واختلف معهم وطلب فترة يراجع فيها موقفه ثم يلح عليهم ليعود لأسرته الإخوانية ويظل سنة هكذا يلح عليهم ولا أحد يهتم ،
وأخ آخر يتم التحقيق معه ويطرد من اللجنة والتي يعمل بها لاعتراضه على بعض المقررات الهزيلة في الأسر الإخوانية ( وطبعا التهمة هي الشبهات الفكرية ) وكان يشهد له بالنشاط والحيوية ،
وإخوة يتم نقلهم إلى شعب أخرى بحجة المربع السكني ويظهر أن النقل التعسفي للعقاب على الاعتراض ،
وأخ شيخ جليل أشهد أن الإخوان ليس فيها الكثير مثل هذا الرجل وهذا ليس كلامي وإنما كلام كبار شيوخ الإخوان يتم تحذير الإخوان منه بغير حجة ودليل ويتم التنبيه على عدم حضور درسه وسماع فتاويه وتوجيهاته والتي أشهد أنها غيرت حياتي إلى الأفضل والأتقى لله عز وجل ، لو كنت مكانهم ولو كنت قريبا منه لقبلت يده ليلا ونهارا .
والحكايات التي عاصرتها وأعرفها معرفة المشاهد وليس السامع كثير وكثير
آآآآآآآآه على مشاعر تغنينا بها وحبا كنا نتباهى به ، هل كانت سرابا ووهما ؟
آآآآآآآه على إخوان وشيوخ وأساتذة لن يجود الزمان بمثلهم .
آآآآآآآه على دعوة كانت تجمعنا وتخرج أفضل ما عندنا وما تبقى منها إلا قلوب نسيت ودها وحبها إلا ما رحم ربي .
آآآآآآه على سنوات قضيناها مع بعضنا واقربنا من بعضنا أكثر مما اقتربنا من أشقائنا .
آآآآآآه على الأسر والكتائب والرحلات والمعسكرات والمعتقلات التي جمعتنا وكنا نزعم فيها أننا نحب بعضنا البعض
آآآآآآآه على ناس كنا نلتحم بهم أصبحوا يسألون أين الإخوان ؟ أين اختفيتم ؟ لماذا اختفيتم في غرفكم المغلقة ونحن نحتاجكم ؟
آآآآآآآه على تقديرنا لأهل الفضل فضلهم وبكائنا على رحيلهم .
كثيرا ما تتردد مقولة : " أن الدعوة تنفي خبثها " .
وأنا أردد : " أن الدعوة الآن تنفي وتلفظ عقلائها وحكمائها وتنفي خيرها ورجالها " .
وأردد أيضا " آآآآآآآآآه على حب قد ضااااااااااااع .
د . عبد الرحمن مختار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ردحذفالأخ الفاضل أيا ما كان اسمك ..
بعيدا عن مناقشة ما كتبتَ وما ادّعيتَ ، ولا يكون الحُكم إلا بسماع الأطراف جميعا دون الاقتصار على طرف واحد ربما تؤدّي به ظروفه إلى كلام يغاير الحقيقة قليلا أو كثيرا ..
بعيدا عن هذا كله أريد التعليق على قولك :
كثيرا ما تتردد مقولة : " أن الدعوة تنفي خبثها " .
وأنا أردد : " أن الدعوة الآن تنفي وتلفظ عقلائها وحكمائها وتنفي خيرها ورجالها " .
أقول : إن الدعوة نفتْ ولا زالتْ تنفي خبثها ، لكن هذه المقولة ليستْ على إطلاقها ، فليس كل من فارق الإخوان خبيثًا ، وهذا لا يحتاج إلى كثير بيان ، وليس شيخك الفاضل الذي تتحدث عنه أول من ترك الدعوة من الفضلاء ، فقد سبقه أناس عظام من أمثال الشيخ محمد الغزالي وغيره .
وأما أن الدعوة تنفي الآن وتلفظ عقلاءها وحكماءها وتنفي خيرها ورجالها ، فقول عظيم وإساءة لا تجوز على من كان يُبْقي على الحب القديم والفضل العظيم لهذه الجماعة عليه ويتأوّه لهذا كله ... وإذا كان شيخك الفاضل قد ترك الجماعة لاختلاف بينه وبين بعض رجالها فليست هذه الجماعة جماعة المسلمين ، وليس معناه أيضا أن ينسى الإخوان فضله وجهده معهم ، وليس معناه كذلك أن يخرج هو أو مَن تشيع له عن الحياد في النقد ويلجأ إلى أسلوب التشنيع وإبراز المعايب أو أن ينسى فضل الجماعة عليه واحتضانه حقبة من الزمن طالتْ أم قصرتْ ..