
لا ضير من المراجعة أيها الإخوان
د عبد الرحمن مختار :
عندما تقرأ التاريخ للعبر والعظات وتعمل عقلك في التدبر في سنن الله في خلقه تتكشف أمامك حقائق ثابتة لا تتزعزع ، ومن ثم تكون هذه الحقائق وتصنع قوانينا ومسلمات من يخالفها فإنه يخالف سنن الله في خلقه وكونه .
ومن تلك الحقائق والقوانين هي أن مراحل النضج والكمال تأتي دائما بعد مراحل عدة من المراجعة والتقويم ، بل إن حالة المراجعة والتقويم هي مقام وحالة يكون عليها العبد فتصبح صفة وطبع أصيل فيه .
وليست المراجعة ومحاسبة النفس تكون في الأعمال والعبادات وفقط إنما حالة كاملة يعيشها العبد لإحساسه الدائم بعجزه وضعفه فلابد له أن يكون دائم التفكير في أعماله وعباداته ومنقبلها في أفكاره وانتماءاته وكذلك توجهاته وأهدافه وميوله ورغباته – فباختصار هي حالة شاملة من المراجعة والتدقيق والتقويم .
والمراجعة في الأفكار والاتجاهات والرغبات أهم وأخطر من المراجعة في الأعمال والعبادات ، لأن الأعمال توجهها الأفكار والرغبات فالأولى مبنية على الثانية والثانية سببا للأولى ، ودائما أبدا الاهتمام بالمقدمات والدوافع أولى من الإهتمام بالنتائج والمحصلات .
وعند غياب المراجعة بهذا المفهوم الشامل تأتي الضبابية في الرؤية والسير على غير هدى ولا بصيرة كمعصوب العينين يمشي في طريق وعرة لابد له من نور ومرشد .
فالمراجعة الشاملة هي تلك البوصلة التي تنظر إليها من وقت لآخر لتستكشف علامات الطريق واتجاهاته لتصل إلى بغيتك ومراميك .
فالمراجعة مطلوبة في كل وقت وحين وفي كل شئ .
والكثير من العلماء والمصلحين على مدار التاريخ عندما قاموا بالمراجعة والتدقيق في كل ما يعتقدون من أفكار ومبادئ ثم تلاها مراجعة الأعمال والمواقف قامت النهوضات العلمية والحضارية في تاريخنا الإسلامي – فها هو الإمام أبو حامد الغزالي يؤلف إحياء علوم الدين بعد مراجعة شاملة ودقيقة شملت كل شئ فكانت ثمرة الإحياء جيل مجدد مصلح حرر القدس من يد الصليبيين على يد صلاح الدين .
ومدح الله نبيه أيوب بقوله عز وجل : " نعم العبد إنه أواب " والأوب هو الرجوع ومنه المراجعة بغية الوصول للحق .
وعندما نتكلم عن المراجعة (وبالأخص المراجعة الفكرية ) داخل الحركة الإسلامية ترى أن هناك فريق يستأثر دون آخر بأحقيته وأهليته لتقديم تلك المراجعة ومحاولة عسكرة العقول وإغلاقها ( بالضبة والمفتاح ) أمام كل رؤية مخالفة لرؤيته .
والوقوف في موقف القيادة لا يعطي مبررا لاحتكار الأهلية والأحقية في المراجعة والنظر والتدقيق ، فالتاريخ في طياته الكثير من المواقف ظهر فيها الحق على غير لسان القيادة وكم كان يسعد النبي صلى الله عليه وسلم بتلك النماذج المتقدة الفكر الحريصة على المصلحة والتي بادرت بالاستدراك والتعديل .
هذا فضلا عن كون قيادة الحركة الإسلامية تتبع المنهج العملي والسليم في التدقيق والمراجعة أم لا وفضلا عن ظهور الكثير من مظاهر الفردية وضعف التخصص .
فلا تعطى الفرصة لمن يرى رؤية مخالفة ووجهة نظر يقدمها في ثوب مغلف بالأدب الجم والتواضع والحب والحرص على إخوانه .
فعندما يكتب الأستاذ مصطفى كمشيش حول مراجعة لبعض أفكار الأخوان يتم التضييق عليه والرد عليه من أحد أعضاء مكتب الإرشاد في موقع الجماعة الرسمي في مقالة يملأها الإرهاب الفكري والتضييق على العقول والسيطرة الكاملة والمتفردة على أفكار الإخوان ، وهذا جزء من مقالته : " وهو أن يكون لجماعة تعمل للإسلام ونهضة الوطن بعض الخصائص التي تخص نفسها بها أو يكون لها ثوابت خاصة بها ، تلزم أفرادها بها وليست محل مراجعة منها أو تغيير إلا إذا كانت ستغير مسارها أو دعوتها .. ومن لم يلتزم بها فإنه يكون خارجا عنها إذا أصر على موقفه بعد المراجعة ".
فلا مكان داخل الجماعة للخلاف في الرأي والدكتور محمد يزيد من مساحة الثوابت كما فعل غيره من قبل ليقلل من مساحة الخلاف ، وهذا اتجاه نحو السيطرة ونحو تكميم الأفواه ونحو التفرد في الرأي .
وهذا فضلا عن المقالة والتي اعترض عليها من مبدئها إلى منتهاها ( وهذا ليس محل اعتراض أو نقد المقالة ) ، إنما الملاحظ والملفت للنظر طريقة الدكتور محمد عبد الرحمن في مقابلة الرأي المخالف فهو دائم الرد على كل من يخالفه في معتقده ومن قبل كانت مقالاته ردا على أفكار طرحها الدكتور عصام العريان والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح وإن لم يصرح بأسمائهم .
والرد في حد ذاته ليس عيبا ، إنما إرهاب المخالف بأنه مخالف لخط الجماعة أو عدم مقدرته تحمل تبعات الجهاد والتضحية وإيثار الكلام على الأفعال فهذا ليس ردا وإنما هو التقليل من شأن المخالف والتسفيه من رأيه والحجر عليه أيضا واحتكار للصواب والفهم .
وما حدث مع الأستاذ مصطفى كمشيش قد تكرر بنفس الصورة مع الكثير من المهتمين بالتطوير والمراجعة داخل الجماعة وكانت لهم أفكارا ورؤى تنم عن رجاحة عقل وفكر سليم وقلب حريص على مجتمعه ودعوته ، ومن أمثال هؤلاء الدكتور مصطفى النجار والأستاذ إبراهيم الهضيبي والمهندس هيثم أبو خليل والشيخ عصام تليمة والأستاذ أمجد أبو العلا وغيرهم من ذلك الجيل الذي انتمي إليه روحا وعمرا .
ومن هنا أوجه سؤالي واستنكاري لقيادة الجماعة :
إلى متى يتم التعامل مع مبدأ المراجعة والتطوير في الأفكار بهذا الشكل المؤسف ؟
إلى متى يتم التعسف من جانب المكاتب الإدارية والمسئولين تجاه أي رأي مخالف لما يعتقدون ؟
متى سنرى الاحتضان والحوار الجاد البناء وليس الاستيعاب وامتصاص الصدمات ؟
إلى متى سيظل الصامتون على صمتهم قيادات كانوا أو أفرادا ؟
متى سنرى ضبط الكثير من القضايا الشائكة داخل الجماعة ( النقد العلني – المرجعية – الفردية – ضبط اللوائح - البعد عن سلوك وتصرف التنظيمات السرية .......) ؟
متى سنرى الجماعة تتسع للرأي والرأي الآخر ؟ ويكون المنهج العلمي والحوار هو الحكم وليس فلان وليس عضو المكتب أو غيره مع احترامنا لهم جميعا ؟
متى سنرى قبول مناقشة الأفكار وعدم إعطاء القدسية لفكرة مهما كانت لأنها نتاج عقل بشري ؟
متى سنرى عدم اتباع سياسة الاغتيال النفسي والمعنوي والتوجيه ضد من لا يتفق رأيه مع القيادة ؟
وأخيرا فقد نصحني البعض ممن يتفق معي كليا أو جزئيا مع ما أرى وأعتقد بالصبر وأن الزمن جزء من العلاج وأن الاجتماع على الصواب خير من التفرق على الأصوب .
وأنا أرى أن كل هذه الكلمات لا محل لها ولا مكان فصبر على ماذا ؟ وحتى متى ؟ هل إلى ما لا نهاية ؟
وإذا كان ليس هناك من وجهة نظري من يقوم بالعلاج ( من المعنيين المسئولين ) فما فائدة الصبر ؟ وكيف يكون وقتها الزمن جزء من العلاج ؟؟ ، فالزمن في عدم وجود العلاج هو عامل سلبي وليس إيجابي ويزيد من المشكلة ويعمل على نشر تأثيرها الضار .
وكيف نختلف على الأصوب والصواب ؟ ولا تكون هناك مرجعية أو حكم يحكم بيننا ؟ وكيف يكون من يرى وجهة معينة وهو خصمي فيها هو الحكم بيننا !!!
abdelrahmanmokhtar@live.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق