
أحد أمراض العقل المزمنة التي أشار إليها الدكتور عبد الحليم أبو شقه في كتابه ( أزمة العقل المسلم ) هي تقديس ما ليس بمقدس والتضارب في فهم الأولويات
ومن مظاهر ذلك المرض في الحركة الإسلامية وبالأخص في دعوة الإخوان المسلمين الارتباك في فهم الثوابت والمتغيرات ، هذا اللفظ الذي نردده كثيرا ولا نقف عند معناه وما يحمل هذا المعنى من أفكار ودلالات .
هذا الارتباك ينتج من التغييب ( المقصود أو غير المقصود ) لدور العقل في تربية الفرد المسلم التي تعنى بها جماعة الإخوان المسلمين ، فالعقلية التنظيمية التي تتربى على السمع والطاعة والثقة المطلقة في شخصية المسئول تراها شيئا فشيئا يتقلص دور العقل فيها وتسلم للمسئول والمدير بفهم كل الأمور من حولها بل هذه العقلية في كثير من الأحيان تسلم للمسئول بالأختيار في أمورها الشخصية والحياتية ، فهناك من المسئولين من يكون فكرة سئية عن أحد الأفراد لمجرد أنه مثلا اختار شريكة حياته أو ارتبط بوظيفة ما دون الرجوع إليه ، ليس من العيب أن يستشير المرء من أكثر منه خبرة في الأمور الدنيوية ولكن أن يسلم المرء عقله لغيره يختار له ويدبر له أموره فهذا إنقاص لعقل الفرد وتهميشا له .
وطبعا تشفى الحركة الإسلامية من مرض تهميش العقل إذا كان هناك توازن في تربية الفرد من حيث تربيته على المبادئ التي تحفظ الحركة وتنظمها كالسمع والطاعة ثم تربيته على المناقشة والحوار والشفافية وإبداء الآراء في كل ما حوله حتى طرق الإدارة ورأيه في مسئوليه بكل شفافية ووضوح وتكون الكفة الراجحة ناحية وضوح الفكرة ورسوخها في نفوس أبناء الحركة وتكوين شخصية متوازنة تتمتع بعقل راجح يزن الأمور جيدا ويعرف كيف يفكر ويناقش ويحاور لا أن تنشئ أفرادا قوالب أينما وضعتهم وضعوا ، هؤلاء لن يغيروا واقع أمتنا ولن يصنعوا حضارة ولن يسهموا في حركة الإخوان بشئ .
طبعا لا أنفي عن كثير من أفراد الإخوان أنهم ذوي عقل راجح ولا يمنعهم التنظيم من استخدام عقولهم ، وذلك بسبب ذلك التوازن الذي حققوه في نفوسهم لأنهم بطبيعة حالهم تربوا على أن يستخدموا عقولهم وكان عندهم موهبة وحب للنقاش والحوار ومحاولة الوصول للأمثل وخصوصا من كان منهم يمتاز بنوع ما من التحصيل في العلوم الشرعية التي تهتم بدور العقل كدراسة علم التوحيد .
وأنا أزعم أن الإخوان في الفترة السابقة اهتموا كثيرا بمصلحة التنظيم وجعلوها مقدمة على أشياء كثيرة ، فعلت نبرتهم تجاه مبادئ السمع والطاعة والثقة في القيادة ، ثم أخطأت الجماعة مرة أخرى عندما وجدت نفسها أمام جيلا جديدا من الشباب لا يسمع ولا يطيع إلا عن بصيرة وينتقد ما لا يعجبه ومع ثورة وتقدم وسائل الاتصال ودخول عالم الإنترنت صار التعبير عن الرأي أسهل وأيسر ، أخطأت حينما افتقدت الشفافية ووجدت نفسها في مأزق عندما لم يكن هناك منهج أصيل في الجماعة للمراجعة الذاتية ، فواجهت ذلك الأمر بحدة وعلت النبرة أكثر وأكثر تضغط على وتر الثقة في القيادة والسمع والطاعة .
وهناك أمثلة كثيرة رصدها الكثير فهناك مقالات الأستاذ جمعة أمين والدكتورمحيي حامد في موقع إخوان أون لاين خير دليل على علو تلك النبرة .
وهنا تبرز عدة أسئلة :
1 – أليست مبادئ الإخوان وأفكارهم نتاج جهد بشري ؟ أم أنه وحي من السماء ؟
2 – هذه الأفكار والمبادئ أليست قابلة للمراجعة والنقد حتى الثوابت منها ؟
3 – هذه الثوابت ظلت 80 عاما وبالفعل غير الإخوان أنفسهم في بعضها ( كعلاقة الإخوان بالأحزاب ، وتغير شكل المحاضن التربوية من عهد الأستاذ البنا إلى الآن لأسباب عدة ، وكإسم الإخوان فهناك أقطار بها حركة الإخوان غيرت اسمها ) فالشاهد أن الثوابت تتغير من مكان إلى آخر ومن وقت إلى آخر ومن ظرف مجتمعي إلى آخر .
فهل هناك ما يمنع من وجود منهج لمراجعة تراث الجماعة ( التراث الفكري والشرعي وحتى الإداري للجماعة ) ؟
فجماعة بهذا الحجم ألا يجب أن تكون هناك لجنة أو مركز بحثي أو ما شابه يراجع ويدقق في تراث الجماعة الفكري والسياسي والإداري
فكما قال المفكر مالك بن نبي أن دائرة الأفكار هي المسئولة عن توليد الدوافع والحركة .
والإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي عندما قرر النهوض بالأمة وعندما حزن لحال الأمة وقت الحملات الصليبية أول ما فكر فكر في جمع تراثه الفكري وتراث من عاصروه ونظر فيه بالتدقيق والمر اجعة ثم بهر المة بمؤلفه الخالد إحياء علوم الدين .
أتمنى أن تخطو الجماعة خطوة جادة في هذا الشأن وحاول إعادة الثقة فيها مرة أخرى بين أفرادها عن طريق الشفافية وقبول النقد ومحاولة إيجاد منهج واضح نحو المراجعة والتدقيق في كل ما يقال أو يقرأ أو يمارس داخل الجماعة .
شارك في الحمله الشعبية للقيد بالجداول الانتخابية
ردحذفع شعار الحملة علي مدونتك