الاثنين، 30 نوفمبر 2009

كيف تتعامل جماعة الإخوان مع ناقديها ؟

مع النظر والدراسة لتنظيم الإخوان المسلمين ، نجد أن التنظيم يحاول أن يظهر بمظهر العمل المؤسسي الذي تحكمه اللوائح والقوانين والعمل العلني ، ولكن هذا العمل يدار بعقلية التنظيم السري وأدبياته وكذلك تلك اللوائح والقوانين ما هي إلا تقنين للعمل المغلق على أفراده .

والدليل على ذلك أن العمل المؤسسي يعتمد مبدأ المراجعة والمحاسبة والنقد الذاتي كمبدأ إداري وهو ما يسمى في علم الإدارة ( التغذية العكسية feed back ) ، وهذا المبدأ غير واضح المعالم داخل جماعة الإخوان ، إذ أن الطريقة المتبعة هي تسليم الرأي أو النقد للمسئول ثم تتركه فلا تعلم هل يسلم المسئول هذا النقد للمختصين في الجماعة أم لا ؟ وما آلية متابعة هذا النقد ومن يقرر في أمره ؟ هل هي الجهات الإدارية في الجماعة أم الجهات الفنية ؟ ورأينا مثالا لرد فضيلة المرشد على المهندس حامد الدفرواي : " مش المفروض أن نرد على ذلك ......." فأنت عندما تقدم نقدا أو رأيا ( خصوصا إذا كان من العيار الثقيل ) فإنك تدخل في متاهة لا تعلم آخرها فضلا عن الاتهامات بعدم الثقة في القيادة ومحاولة شق الصف وكثير من شاكلة هذه التهم الجاهزة للرد على أي صاحب رأي مخالف .

كما أن العمل المؤسسي يعتمد مبدأ الشفافية كأحد مبادئه الإدارية ، فالفرد عندما يعمل في أي مؤسسة ذات قيمة وهيكل معتبر ، فإنه أول ما يعين يرى بعينيه كتاب أو كراسة تسمى (سياسات المؤسسة policies ) هذا الكتاب يقوم بتعريف الفرد واجباته وحقوقه داخل المؤسسة ونظام عمل المؤسسة ورسالتها وهياكلها الإدارية والتوصيف الوظيفي لجميع تلك الهياكل ، وهذا أيضا مفتقد داخل الجماعة ، إذ الإطلاع على لوائح الأخوان وهياكلهم تظل مرحلة متأخرة في حياة الأخ بعد اجتيازه لمراحل تربوية معينة ، وذلك بحجة المعرفة على قدر الحاجة وعدم السؤال لدعم معاني الثقة في القيادة والطاعة بلا تردد ، والتحقق بتلك المعاني يتطلب قدر قليل جدا من المعرفة باللوائح والهياكل والحقوق والواجبات .

بعد هذه المقدمة عن طبيعة تنظيم الإخوان وطبيعة العقلية التي تسيطر على التنظيم والتي تصنع اللوائح والقوانين والهياكل ومع الأخذ في الاعتبار النشأة التاريخية والمراحل التي مرت بها الجماعة من حكم ملكي واحتلال ثم عهد التنكيل والظلم الناصري ، نجد أن الجماعة مصابة بحساسية مفرطة تجاه عملية النقد الذاتي والتشكيك في فاعلية أنشطتها أو في أهلية قيادتها على القيام بدور الجماعة الإصلاحي وتنفيذ مشروعها لإعادة أمجاد الأمة .

فإذا قمنا بجمع وتحليل النقد الموجه لجماعة الإخوان سواء من خارجها أو من داخل أبنائها ، فإننا نجد هناك نوعان من التعامل والتفاعل تجاه نوعين من النقد والمراجعة .
أولا : نقد ( الوسائل والتصريحات والأشخاص والمواقف ) :
وهذا النوع أغلبه من وجهة نظر القيادة تأثيره محدود ، وهو حتى مع انتشاره لا يشكل خطرا ولا تهديدا للجماعة ولا يؤدي إلى تغيير خط سير الجماعة ولا حتى يقترب من مجموعة الأفكار التي تشكل العقلية الإخوانية ولا يؤثر على استراتيجيات الجماعة ولا رؤاها ولا أهدافها .

فالجماعة تبدي مرونة نوعا ما إزاء هذا النوع من النقد لتظهر قدر من حرية التعبير عن الرأي وعدم الاستبداد ، باستثناء نقد الأشخاص ذوي المكانة القيادية أو التاريخية ( كالمرشد أو حسن البنا أو سيد قطب ) فكثير من أفراد الجماعة ( قيادات وأفراد ) يربطون بين نقد أفكار الشخص وبين الشخص نفسه ، فعندما تنتقد سيد قطب مثلا فأنت تقلل من شأنه وتحقر من جهاده ووقوفه صامدا أمام الظلم والطغيان ، فمثلا قام الأستاذ المرشد بنفسه بانتقاد سلوك بعض نوابنا في مجلس الشعب ( في واقعة رفع الحذاء ) ، أما حين أعلن الشيخ القرضاوي نقده لأفكار الأستاذ سيد قطب ثار كثير من قيادات الجماعة وانبروا للرد على الشيخ القرضاوي حفظا لمكانة الأستاذ سيد قطب في نفوس الإخوان وكثير منهم لم يفرقوا بين شخص سيد قطب وأفكاره باستثناء الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي كتب مقالة جيدة بعنوان ( سيد قطب نحبه ونحترمه ونختلف معه ) .

ثانيا : نقد ( الأفكار والسياسات والأهداف ) :
وهذا النوع من النقد يقابل بعنف حاد سواء كان النقد من داخل الجماعة أو من خارجها ، إذ أن هذا النوع من النقد حال انتشاره يضرب في قاعدة الأفكار التي يتربى عليها الصف الإخواني ( كنقد رسائل حسن البنا وبالأخص رسالة التعاليم ) ، ومن شأنه أيضا نقد الأهداف و السياسات الموجهة لحركة الإخوان وكذلك يكشف مدى صلاحية اللوائح الإدارية ومدى فاعلية الهياكل التنظيمية .
وبالتالي فإن هذا النوع من النقد يوجه سهام مباشرة تجاه مدى أهلية القيادة والمسئولين ونحو تكوينهم الفكري والسياسي وكذلك نحو المرجعية الفكرية التي تتمحور حولها الجماعة وتربي أجيالها عليها .
فالجماعة تقبل بالتغيير في الأشخاص والوسائل لكن لا تقبل بتغيير السياسات والاستراتيجيات ، ولا تقبل بتغيير القاعدة الفكرية للجماعة والتي تشكل العقلية الإخوانية ، ولذلك كثير من القيادات يربط بين فكر الإسلام وثوابته وبين فكر الإخوان ومبادئه ويرون أن هذا الفكر وذاك وجهان لعملة واحدة ، وهذا واضح جدا في فكر الأستاذ سيد قطب ومن تربى على أفكاره .
وللأسف مساحة النقد هنا تضيق تماما داخل الصف الإخواني ، بل تكاد تكون معدومة ، وهو ما يدفع بعض الإخوان خصوصا أصحاب الرؤى التحليلية وأصحاب العقول المفكرة إلى عدة منافذ ، منها :
1 - اللجوء إلى وسائل الإعلام لمحاولة خلق رأي عام يضغط به على أصحاب الرأي والقرار داخل الجماعة .

2 - اللجوء إلى الاختفاء والانزواء والبعد عن دائرة التأثير ، أو لجوء الجماعة إلى الفصل والتجميد والتهميش ( بحجة إثارة البلبلة وشق الصف والمشاكل الفكرية ) .

3 - اللجوء لعمل تكتلات صغيرة داخل الجماعة لنشر فكرته ومحاولة إيجاد رأي عام لها داخل المنظمة الإخوانية ، وهذا ما أسمته القيادات ( الجيوب ) .
ويكمن مدى تأثير هذه الجيوب حال انتشارها في خلق مرجعيات فكرية متعددة داخل الجماعة ، وهو ما أنتج بعض التصنيفات للصف الإخواني ( كالمحافظين والإصلاحيين ) ولست هنا بصدد تحليل أو نقاش تلك التصنيفات من حيث الصحة من عدمها .
ولكن ما أردت أن أنبه عليه هو تأثير هذه الجيوب على الصف الإخواني من تشتيت للجهود وضياع للأوقات ، فالقيادة بدلا من أن تستفيد من أصحاب الفكر المكونين لهذه الجيوب تجهد نفسها في حصرتلك الجيوب ووضع الخطط لتطويقها وتحجيمها وإبعادها عن دائرة التأثير ، ثم تتكلف عناء تقديم الكبسولات التربوية بهدف إنعاش ذاكرة الثقة في القيادة والسمع والطاعة واستحضار كل الأدلة من الكتاب والسنة رغبة في تدعيم موقفهم حتى لو كان باحتكار الفهم الصحيح وإسقاط النصوص على واقع الجماعة واستخدامها لإرهاب المعارضين والمخالفين ( ككتابات الأستاذ جمعة أمين والدكتور غزلان ) .

أمثلة:
1 – ردود فعل قادة الجماعة بعد طرح رؤى فكرية تتعلق بخط سير الجماعة كمبادرة الدكتور البلتاجي وطرح الدكتور عصام العريان لآثار الهجمة البوليسية على الإخوان .
2- الرد العنيف من قبل المرشد على اتهامات المهندس حامد الدفراوي .
3 – رد الأستاذ جمعة أمين على الدكتور إبراهيم الزعفراني حينما أقر الأخير بوجود انقسام فكري داخل الجماعة بين جيل مشهور وجيل التلمساني .
4 – نقد الدكتور القرضاوي لأفكار الأستاذ سيد قطب وقوله أنها خارجة عن فكر أهل السنة والجماعة ، فمكتب الإرشاد نفى في دفاع عن شخص سيد قطب أن تكون أفكاره مخالفة لأفكار أهل السنة والجماعة ، ولكن ما خفف حدة الرد من قبل المكتب مكانة الشيخ التاريخية والإقليمية .
في الختام أحب أن أؤكد أن القاعدة الفكرية للجماعة تحتاج لمزيد من النقاش والنقد والمراجعة ، ففكر الجماعة جهد بشري فلا يجب أن نضفي عليه صفات الكمال والخلود .
كما يجب على الجماعة أن تعتمد مبادئ العمل المؤسسي كالشفافية ووضع آليات واضحة للمراجعة والمحاسبة والتغذية العكسية والنقد الذاتي حتى تستفيد الجماعة من كل الآراء والأفكار .
كما يجب على الجماعة أن تربي أفرادها بداية على النقاش والحوار وإبداء الرأي حتى لو كان مخالفا لرأي القيادة فتلك أساسيات الإبداع والتطوير والتجديد .
ولتعلم أن الثقة في القيادة ما هي إلا نتاج مسيرة طويلة مع القيادة ينميها رؤية الجماعة قادرة على تنفيذ أهدافها ومشروعها ورؤيتها تتبع أفضل الأفكار والمناهج والأهداف لتحقيق مشروعها ، ويقلص من هذه الثقة رؤية قيادات الجماعة على قدر كبير من الاختلاف الفكري وإحساس الأفراد داخل الجماعة بالاضطهاد والإقصاء بسبب إبداء الرأي ومحاولة النقد ورؤية كثير من القيادات على قدر عال من الدكتاتورية واحتكار الصواب و الاستعلاء الفكري .
كتبها أخوكم ( أنا من الإخوان ولكن )
على مدونتي ( أنا من الإخوان ولكن )
http://anaikhwanbut.blogspot.com/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق