عما فعله "حراس المعبد" في جماعة الإخوان !
د. حمدي المرسي 10-01-2010
جموع من الإخوان راعها ما بثته الفضائيات ونشرته الصحف عن عزم المرشد العام للإخوان المسلمين على تقديم استقالته, فيما يعد ذلك من وجهة نظري أعظم حراك إداري على صعيد أعلى هيئة في الجماعة منذ وفاة المرحوم الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام الأسبق .
فلأول مرة تتلقى جموع الإخوان أخبارا بهذا المستوى من الأهمية من وسائل الإعلام مباشرة وبعيدا عن وسائل التلقي المعتادة ولأول مرة تنكشف عباءة القداسة والعصمة في نظر الأتباع عن قيادات الجماعة ويرغمون أنفسهم على التعامل مع الحدث على أن أصحابه بشر يصيبون ويخطئون .
منذ رحيل الأستاذ عمر التلمساني دخلت الجماعة إلى تابوت التحنيط مختارة وعاد فكر المحنة للهيمنة وأضفيت هالات القداسة على من يكلف بمسؤولية وتكرست عبارات تضخيم الذات وتوصيف دعوة الإخوان بأنها دعوة الله وأن الجماعة تنفي خبثها , لكن ما ثبت أن أجواء القهر( غير المتعمد ) وممارسة الأبوية والوصاية في مواقع غير قليلة كانت تحمي الخبث ولا تنفيه .
فهل يتصور أن دعوة الإخوان المسلمين تلك الدعوة المباركة التي تخطت الحدود وبلغت الآفاق ووصلت إلى ما وراء البحار ومشارف سيبيريا والمحيط المتجمد، وتعلقت بها الشعوب لإنقاذها من القهر السياسي يقوم بعض الوصاة عليها بتقزيمها والعودة بها إلى الشرنقة.
هل يتصور أن الجماعة تعجز عن وضع دستور لها يتم التفاهم على أساسه وهل يتصور أن البرنامج الذي نشرته الجماعة يعبر عن الإخوان ,الواقع انه برنامج هزيل يعبر عن حالة اليأس التي انتابت مجلس الوصاية الذي أدمن العمل في غرف مغلقة لا ترى النور .
يُجمع أهل الاختصاص والمتابعون والمراقبون على أن المحن الخارجية التي تعرضت لها الجماعة ولازالت تتعرض لها قد زادت الجماعة قوة صلابة وتمرسا بينما محنتها الداخلية محنة التشرنق التي امتدت نحو 3 عقود هزت أركانها ودعائمها.
فدخولها إلى الشرنقة واستغلال مبدأ السرية الذي زاولت به بعض القيادات الهيمنة على الأفراد وعلى مستقبل العمل في فترة يقبل فيها المجتمع على الانفتاح قد بنى أسواراً عازلة بين المسئولين وقطاعات الشباب المتطلع وعزل الجماعة عن محيطها المجتمعي وإن كانت متواجدة فيه.
إن استمرار قطاع واسع من المسئولون على استخدام مفردات خطابية غير مفهومة في الإطار السياسي والمجتمعي يزيد من حالة العزلة ولا يزالون يظنون أن الدندنة بتلك العبارات التاريخية إنما هو من قبيل الأصالة , وهو في حقيقة الأمر ليس إلا غياباً في الماضي وتعطيلاً لعجلة الزمن ليتوقف عند مفاهيم معينة وليستنسخ اجتهادات قديمة لواقع متجدد وقد كان حري بنا وقد قطعنا 10 سنوات من الألفية الثالثة أن نعبِّر عن رؤانا بأفكار تجد طريقها إلى عقول الناس.
منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي وأصوات عديدة من الإخوان ممن أوتوا حسن النظر نادوا بتغيير خطاب الجماعة ليواكب متطلبات العصر ويحقق التواصل مع المحيط المجتمعي ويتم التحرك به وفق الأولويات التي تفرضها طبيعة المرحلة بسماتها السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية والإعلامية , فما كان جزاؤهم إلا النبذ والإقصاء .
هذا المناخ ساعد على تشكل ما يمكن تسميته " بجماعة حراس المعبد " التي انتشرت في الأقاليم والقرى وما يروعك أكثر أنها تخطت الحدود إلى بعض مناطق على الصعيد الإقليمي والدولي وازداد الأمر تعقيداً لما ساد في أوساط الجماعة من مفردات خطاب وقالب فكرى محدد وإن ذهبت لتتحدث بطريقة مختلفة فلا تعجب أن تجد أحدهم يتساءل في همس هل ذاك المتحدث من إخواننا .
المستجدات والمتغيرات التي حدثت كانت كفيلة بدق ناقوس الإنذار لتستحدث الجماعة خطاباً يناسب تطلعاتها تجاه المشاركة السياسية وليحقق تواصلها مع المجتمع والقوى الوطنية , لكن خطاب الدعوة ظل هو خطاب الدولة كما تجلى ذلك فى خطاب نوابها في البرلمان أو متحدثيها في الإعلام مما أكد أن هذه هي غاية قدرتهم وإدراكهم وأنهم قد وصلوا إلى نقطة التجمد وأنهم كلما أعجزهم التعاطي مع القضايا هربوا إلى الخطاب الدعوي الفضفاض في أنهم جماعة ربانية .
ومن المعلوم أن الجماعة تمددت وانتشرت أفقياً " زيادة الشحوم " في الوقت الذي تجمدت فيه أساليبها الإدارية عند حد مرحلة السبعينيات فعجزت عن المتابعة التي تضمن لها الجودة , مما ساعد على تغلغل وتمكن " جماعة حراس المعبد "وأدى بها إلى ما يشبه حالة " فقدان المناعة ".
وقد تجلى ذلك فيما حدث في قطاعات مختلفة من العالم كقطاع المغرب العربي الذي كشفت مشكلته عن ضعف دراية القيادة بطبيعة ما يجري هناك فانتدبت الجماعة مندوبا للجزائر ليس ملما ولا مدركا للأوضاع الداخلية وغاية معرفته بما يجرى في الخارج ربما حصلها من خلال رحلة حج أو عمرة وكل مؤهلاته أنه عضو مكتب الإرشاد , لذا لما تناقش مع قيادات الإخوان في الجزائر( حسب ما نشرته جريدة الشروق الجزائرية ) ظهر الفارق الشاسع بين من يفكرون بعقلية خطيب الجمعة ومن يفكرون بمنهجية وخبرات المشاركين في السلطة لنحو 10 سنوات ويديرون أكثر من 400 بلدية في الجزائر وتسند إليهم الرئاسة ملفات عربية غاية في العمق وفيهم وزراء مشهود لهم بالكفاءة استطاعوا أن يوازنوا بين انتمائهم الفكري وأدوارهم السياسية وبلغت نجاحاتهم في الأداء الحكومي ما دعا الرئيس " عبد العزيز بوتفليقة " أن يقول : تمنيت لو عندي 10 وزراء مثل وزير الأشغال ( من الإخوان في الجزائر ) وكان من تداعيات ذلك تزايد شروخ التصدع ووقوع الانشقاق.
هذا التردي في التعاطي مع القضايا القطرية تجلى اكثر من تسريبات نسبت لبعض الإخوان في الجزائر قالوا كيف لأناس لا يملكون حرية السفر من بلدهم يقررون في شأننا ونحن شركاء الحكم وإذا تكلمنا يستمع إلينا وتجربتنا في المنافسة على موقع الرئاسة لازالت حديث المهتمين .
إن هذا الجمود نتج عنه هروب شباب الإخوان إلى القارة السابعة أو فضاء المدونات , هذا الشباب الذي رفض أن يتعفن في داخل الشرنقة ووجد فرصته التي ينفس فيها عن أفكاره وطموحاته بعيداً عن مسئولين لا يشعرون بحركة الزمن , فبعض الشباب يشكو همومه فى المدونة يقول تغيبت عن منطقتي نحو 10 سنوات ولما عدت وجدتهم على ما تركتهم عليه لم يتغير سوى ظهور تجاعيد في وجوهم واشتعال رؤوسهم شيبا مع ترديدهم لنفس المفردات ونفس الأفكار ونفس الهمس كأن الإنسان في متحف للأحياء وشاب آخر يقدم مشروعا لتنمية الثقافة والوعي وتفعيل المشاركة إلى المسئول فيقول له إن الجماعة لا تترك صغيرة ولا كبيرة إلا تفكر فيها ومع إلحاح الشاب على معرفة مصير مشروعه يقال له هل أديت صلاة الفجر اليوم!.
يتساءل المجتمع أين فقهاء وخطباء وعلماء وخبراء ومفكري وكتَّاب وحكماء وسياسي الأخوان ؟ إن ما يعيبنا أننا إذا طُرحنا هذا السؤال تجد من يشير إلى أناس معروفين بثاقب فكرهم وحسن تبصرهم ولكن حينما يكون هناك ترشيح لمواقع لا يرد ذكرهم بل يتطاول البعض ويصرح بأنهم ليسوا من الإخوان وهذا ما كانت تمارسه ( جماعة حراس المعبد ) من إقصاء وتصفية للكوادر التي تطرح رؤى تختلف مع قناعتهم، علما بأن هذه الكوادر التى اقصيت حققت نجاحات في قطاعات لم يبرز فيها الإخوان كالإعلام الفضائي ومراكز الدراسات والبحوث والتنظير الفكري والسياسي ومنظومات التربية العصرية ومجالات التنمية.
بلا مواربة ظهر عجز الجماعة في إدارة ملف الإصلاح فقد ترسخ في قناعة بعضهم إما أن تكون في الواجهة ( إبراز الهوية ) كما يسميه البعض أو لا نشارك , وكم عارض بعضهم مشاريع لكون القائمين عليها أرادوها جامعة لكل تيارات المجتمع كي تؤتي ثمارها.
نواب الإخوان في البرلمان أدوا واجباً خطابياً بارعاً لكنهم كانوا مجرد أصداء وردود فعل للمستهلكات اليومية (النقاب – المرور – قش الرز – أنفلونزا الطيور والخنازير) ولم يقدموا تصوراتهم عن قضايا المصير والقضايا الكبرى (عقم السياسة التعليمية - التحولات المناخية –كشف حقائق تصدير الغاز لإسرائيل – مافيا صناعة الدواء والأمصال – السطو على ممتلكات الدولة ).
هذه الحقائق وغيرها لا يُراد منها إحراج أحد بقدر ما تعكس حالة الجمود التي تدعو الحاجة الملحة إلى التغيير والتطوير واستحداث أساليب ووسائل تضمن الشفافية وتحد من القمع الحركي والفكري.
يعز علينا ويؤلمنا أن تكون جماعة بحجم الإخوان المسلمين أسسها الرجل القرآني الفريد، كما وصف في الغرب، بتاريخها الناصع وما أحدثته من تغيير للخريطة الإقليمية والمحلية ولم يعد بمقدور أي نظام دولي أو إقليمي أو محلي أن يتجاوزها في حال أي تسوية سياسية , يؤلمنا أن يتجاوزها الزمن وتتخطاها حركة التاريخ في لعدم إدراكها للمتغيرات الدولية، لكن رغم ذلك نراهن على أن ما حدث مؤخراً من الأستاذ مهدي عاكف المرشد العام الذي صدع زواره من الأخوان بكلمة ستبقى للتاريخ شاهدة قائلا " لا تخافوا من التغيير ".
إن القدرة على استرداد الفاعلية ممكن لكن عند عودة الوعي لابد من تدبر ? ... قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ? (الكهف 19) لأنهم سيجدون أنفسهم يرطنون بكلمات تفصلهم عن الزمن هنيهة كلمات لا يفهمها الساسة والمفكرون والمثقفون , ومع ذلك لا ضير .... فإذا ما خلصت النوايا، وتجردت النفوس من الهوى، وانحسر " حراس المعبد " وتبددت وثنية تقديس الأشخاص والوسائل، وتجاوزنا فكر النشأة والتأسيس ودلفنا إلى فضاء المشاركة والواقعية، وتركنا اجترار المحنة إلى فضاء العافية، وأخذنا بمبدأ التناصح ونبذنا التناطح، وانتقلنا من دائرة الدموع إلى دائرة الشموع، ومن الإحساس بالألم إلى تنسم الأمل، وتبرأنا من الورع الكاذب وتصارحنا وتكاشفنا وثرنا على التدين السطحي الذي لا تلامس بشاشته القلوب، ومن الانكفاء على الذات إلى الانفتاح الحضاري، في إطار مشروع وطني جامع سنجد أنفسنا وضعنا أقدامنا على عتية التغيير كما نجحت صوفية سعيد النورسي وفتح الله كولن فى تغيير وجه تركيا التي عادت لتتناول راية الريادة على هدى مبين.
لا أظن أنني أغرد بمفردي بل هنالك أصوات وهمسات الآلاف من الإخوان وأملها ألا يكون مثواها التابوت .
د. حمدي المرسي 10-01-2010
جموع من الإخوان راعها ما بثته الفضائيات ونشرته الصحف عن عزم المرشد العام للإخوان المسلمين على تقديم استقالته, فيما يعد ذلك من وجهة نظري أعظم حراك إداري على صعيد أعلى هيئة في الجماعة منذ وفاة المرحوم الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام الأسبق .
فلأول مرة تتلقى جموع الإخوان أخبارا بهذا المستوى من الأهمية من وسائل الإعلام مباشرة وبعيدا عن وسائل التلقي المعتادة ولأول مرة تنكشف عباءة القداسة والعصمة في نظر الأتباع عن قيادات الجماعة ويرغمون أنفسهم على التعامل مع الحدث على أن أصحابه بشر يصيبون ويخطئون .
منذ رحيل الأستاذ عمر التلمساني دخلت الجماعة إلى تابوت التحنيط مختارة وعاد فكر المحنة للهيمنة وأضفيت هالات القداسة على من يكلف بمسؤولية وتكرست عبارات تضخيم الذات وتوصيف دعوة الإخوان بأنها دعوة الله وأن الجماعة تنفي خبثها , لكن ما ثبت أن أجواء القهر( غير المتعمد ) وممارسة الأبوية والوصاية في مواقع غير قليلة كانت تحمي الخبث ولا تنفيه .
فهل يتصور أن دعوة الإخوان المسلمين تلك الدعوة المباركة التي تخطت الحدود وبلغت الآفاق ووصلت إلى ما وراء البحار ومشارف سيبيريا والمحيط المتجمد، وتعلقت بها الشعوب لإنقاذها من القهر السياسي يقوم بعض الوصاة عليها بتقزيمها والعودة بها إلى الشرنقة.
هل يتصور أن الجماعة تعجز عن وضع دستور لها يتم التفاهم على أساسه وهل يتصور أن البرنامج الذي نشرته الجماعة يعبر عن الإخوان ,الواقع انه برنامج هزيل يعبر عن حالة اليأس التي انتابت مجلس الوصاية الذي أدمن العمل في غرف مغلقة لا ترى النور .
يُجمع أهل الاختصاص والمتابعون والمراقبون على أن المحن الخارجية التي تعرضت لها الجماعة ولازالت تتعرض لها قد زادت الجماعة قوة صلابة وتمرسا بينما محنتها الداخلية محنة التشرنق التي امتدت نحو 3 عقود هزت أركانها ودعائمها.
فدخولها إلى الشرنقة واستغلال مبدأ السرية الذي زاولت به بعض القيادات الهيمنة على الأفراد وعلى مستقبل العمل في فترة يقبل فيها المجتمع على الانفتاح قد بنى أسواراً عازلة بين المسئولين وقطاعات الشباب المتطلع وعزل الجماعة عن محيطها المجتمعي وإن كانت متواجدة فيه.
إن استمرار قطاع واسع من المسئولون على استخدام مفردات خطابية غير مفهومة في الإطار السياسي والمجتمعي يزيد من حالة العزلة ولا يزالون يظنون أن الدندنة بتلك العبارات التاريخية إنما هو من قبيل الأصالة , وهو في حقيقة الأمر ليس إلا غياباً في الماضي وتعطيلاً لعجلة الزمن ليتوقف عند مفاهيم معينة وليستنسخ اجتهادات قديمة لواقع متجدد وقد كان حري بنا وقد قطعنا 10 سنوات من الألفية الثالثة أن نعبِّر عن رؤانا بأفكار تجد طريقها إلى عقول الناس.
منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي وأصوات عديدة من الإخوان ممن أوتوا حسن النظر نادوا بتغيير خطاب الجماعة ليواكب متطلبات العصر ويحقق التواصل مع المحيط المجتمعي ويتم التحرك به وفق الأولويات التي تفرضها طبيعة المرحلة بسماتها السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية والإعلامية , فما كان جزاؤهم إلا النبذ والإقصاء .
هذا المناخ ساعد على تشكل ما يمكن تسميته " بجماعة حراس المعبد " التي انتشرت في الأقاليم والقرى وما يروعك أكثر أنها تخطت الحدود إلى بعض مناطق على الصعيد الإقليمي والدولي وازداد الأمر تعقيداً لما ساد في أوساط الجماعة من مفردات خطاب وقالب فكرى محدد وإن ذهبت لتتحدث بطريقة مختلفة فلا تعجب أن تجد أحدهم يتساءل في همس هل ذاك المتحدث من إخواننا .
المستجدات والمتغيرات التي حدثت كانت كفيلة بدق ناقوس الإنذار لتستحدث الجماعة خطاباً يناسب تطلعاتها تجاه المشاركة السياسية وليحقق تواصلها مع المجتمع والقوى الوطنية , لكن خطاب الدعوة ظل هو خطاب الدولة كما تجلى ذلك فى خطاب نوابها في البرلمان أو متحدثيها في الإعلام مما أكد أن هذه هي غاية قدرتهم وإدراكهم وأنهم قد وصلوا إلى نقطة التجمد وأنهم كلما أعجزهم التعاطي مع القضايا هربوا إلى الخطاب الدعوي الفضفاض في أنهم جماعة ربانية .
ومن المعلوم أن الجماعة تمددت وانتشرت أفقياً " زيادة الشحوم " في الوقت الذي تجمدت فيه أساليبها الإدارية عند حد مرحلة السبعينيات فعجزت عن المتابعة التي تضمن لها الجودة , مما ساعد على تغلغل وتمكن " جماعة حراس المعبد "وأدى بها إلى ما يشبه حالة " فقدان المناعة ".
وقد تجلى ذلك فيما حدث في قطاعات مختلفة من العالم كقطاع المغرب العربي الذي كشفت مشكلته عن ضعف دراية القيادة بطبيعة ما يجري هناك فانتدبت الجماعة مندوبا للجزائر ليس ملما ولا مدركا للأوضاع الداخلية وغاية معرفته بما يجرى في الخارج ربما حصلها من خلال رحلة حج أو عمرة وكل مؤهلاته أنه عضو مكتب الإرشاد , لذا لما تناقش مع قيادات الإخوان في الجزائر( حسب ما نشرته جريدة الشروق الجزائرية ) ظهر الفارق الشاسع بين من يفكرون بعقلية خطيب الجمعة ومن يفكرون بمنهجية وخبرات المشاركين في السلطة لنحو 10 سنوات ويديرون أكثر من 400 بلدية في الجزائر وتسند إليهم الرئاسة ملفات عربية غاية في العمق وفيهم وزراء مشهود لهم بالكفاءة استطاعوا أن يوازنوا بين انتمائهم الفكري وأدوارهم السياسية وبلغت نجاحاتهم في الأداء الحكومي ما دعا الرئيس " عبد العزيز بوتفليقة " أن يقول : تمنيت لو عندي 10 وزراء مثل وزير الأشغال ( من الإخوان في الجزائر ) وكان من تداعيات ذلك تزايد شروخ التصدع ووقوع الانشقاق.
هذا التردي في التعاطي مع القضايا القطرية تجلى اكثر من تسريبات نسبت لبعض الإخوان في الجزائر قالوا كيف لأناس لا يملكون حرية السفر من بلدهم يقررون في شأننا ونحن شركاء الحكم وإذا تكلمنا يستمع إلينا وتجربتنا في المنافسة على موقع الرئاسة لازالت حديث المهتمين .
إن هذا الجمود نتج عنه هروب شباب الإخوان إلى القارة السابعة أو فضاء المدونات , هذا الشباب الذي رفض أن يتعفن في داخل الشرنقة ووجد فرصته التي ينفس فيها عن أفكاره وطموحاته بعيداً عن مسئولين لا يشعرون بحركة الزمن , فبعض الشباب يشكو همومه فى المدونة يقول تغيبت عن منطقتي نحو 10 سنوات ولما عدت وجدتهم على ما تركتهم عليه لم يتغير سوى ظهور تجاعيد في وجوهم واشتعال رؤوسهم شيبا مع ترديدهم لنفس المفردات ونفس الأفكار ونفس الهمس كأن الإنسان في متحف للأحياء وشاب آخر يقدم مشروعا لتنمية الثقافة والوعي وتفعيل المشاركة إلى المسئول فيقول له إن الجماعة لا تترك صغيرة ولا كبيرة إلا تفكر فيها ومع إلحاح الشاب على معرفة مصير مشروعه يقال له هل أديت صلاة الفجر اليوم!.
يتساءل المجتمع أين فقهاء وخطباء وعلماء وخبراء ومفكري وكتَّاب وحكماء وسياسي الأخوان ؟ إن ما يعيبنا أننا إذا طُرحنا هذا السؤال تجد من يشير إلى أناس معروفين بثاقب فكرهم وحسن تبصرهم ولكن حينما يكون هناك ترشيح لمواقع لا يرد ذكرهم بل يتطاول البعض ويصرح بأنهم ليسوا من الإخوان وهذا ما كانت تمارسه ( جماعة حراس المعبد ) من إقصاء وتصفية للكوادر التي تطرح رؤى تختلف مع قناعتهم، علما بأن هذه الكوادر التى اقصيت حققت نجاحات في قطاعات لم يبرز فيها الإخوان كالإعلام الفضائي ومراكز الدراسات والبحوث والتنظير الفكري والسياسي ومنظومات التربية العصرية ومجالات التنمية.
بلا مواربة ظهر عجز الجماعة في إدارة ملف الإصلاح فقد ترسخ في قناعة بعضهم إما أن تكون في الواجهة ( إبراز الهوية ) كما يسميه البعض أو لا نشارك , وكم عارض بعضهم مشاريع لكون القائمين عليها أرادوها جامعة لكل تيارات المجتمع كي تؤتي ثمارها.
نواب الإخوان في البرلمان أدوا واجباً خطابياً بارعاً لكنهم كانوا مجرد أصداء وردود فعل للمستهلكات اليومية (النقاب – المرور – قش الرز – أنفلونزا الطيور والخنازير) ولم يقدموا تصوراتهم عن قضايا المصير والقضايا الكبرى (عقم السياسة التعليمية - التحولات المناخية –كشف حقائق تصدير الغاز لإسرائيل – مافيا صناعة الدواء والأمصال – السطو على ممتلكات الدولة ).
هذه الحقائق وغيرها لا يُراد منها إحراج أحد بقدر ما تعكس حالة الجمود التي تدعو الحاجة الملحة إلى التغيير والتطوير واستحداث أساليب ووسائل تضمن الشفافية وتحد من القمع الحركي والفكري.
يعز علينا ويؤلمنا أن تكون جماعة بحجم الإخوان المسلمين أسسها الرجل القرآني الفريد، كما وصف في الغرب، بتاريخها الناصع وما أحدثته من تغيير للخريطة الإقليمية والمحلية ولم يعد بمقدور أي نظام دولي أو إقليمي أو محلي أن يتجاوزها في حال أي تسوية سياسية , يؤلمنا أن يتجاوزها الزمن وتتخطاها حركة التاريخ في لعدم إدراكها للمتغيرات الدولية، لكن رغم ذلك نراهن على أن ما حدث مؤخراً من الأستاذ مهدي عاكف المرشد العام الذي صدع زواره من الأخوان بكلمة ستبقى للتاريخ شاهدة قائلا " لا تخافوا من التغيير ".
إن القدرة على استرداد الفاعلية ممكن لكن عند عودة الوعي لابد من تدبر ? ... قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ? (الكهف 19) لأنهم سيجدون أنفسهم يرطنون بكلمات تفصلهم عن الزمن هنيهة كلمات لا يفهمها الساسة والمفكرون والمثقفون , ومع ذلك لا ضير .... فإذا ما خلصت النوايا، وتجردت النفوس من الهوى، وانحسر " حراس المعبد " وتبددت وثنية تقديس الأشخاص والوسائل، وتجاوزنا فكر النشأة والتأسيس ودلفنا إلى فضاء المشاركة والواقعية، وتركنا اجترار المحنة إلى فضاء العافية، وأخذنا بمبدأ التناصح ونبذنا التناطح، وانتقلنا من دائرة الدموع إلى دائرة الشموع، ومن الإحساس بالألم إلى تنسم الأمل، وتبرأنا من الورع الكاذب وتصارحنا وتكاشفنا وثرنا على التدين السطحي الذي لا تلامس بشاشته القلوب، ومن الانكفاء على الذات إلى الانفتاح الحضاري، في إطار مشروع وطني جامع سنجد أنفسنا وضعنا أقدامنا على عتية التغيير كما نجحت صوفية سعيد النورسي وفتح الله كولن فى تغيير وجه تركيا التي عادت لتتناول راية الريادة على هدى مبين.
لا أظن أنني أغرد بمفردي بل هنالك أصوات وهمسات الآلاف من الإخوان وأملها ألا يكون مثواها التابوت .
المدير الأسبق للندوة العالمية للشباب الإسلامي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق