الأحد، 3 يناير 2010

أنوار الفطنة تبدد ظلمات الفتنة

لقد جائتني رسالة من الدكتور ماجد رمضان

على بريدي الإلكتروني وبها خواطره حول الأزمة الأخيرة


وها هو نص الرسالة

بقلم دكتور : ماجد رمضان
أنوار الفطنة هذه هي موازين وأضواء نمشى في أضوائها ونقيس أقوالنا وأفعالنا ومواقفنا بها ، ترد الشبهات وتجليها وتبرد الشهوات وتسكتها، إذا لف الغبش والضباب مجتمع الدعوة فاتهمت النيات وتعارضت الكلمات وتناقضت المواقف وبدت الأزمات ، فقد كان ابن تيمية كثيرا ما يصف المؤمن بأنه صاحب ( بصر نافذ )عن ورود الشبهات و(عقل كامل ) عند حلول الشهوات وركز على وجوب غلق هذين البابين اللذين تقتحم الفتن منهما حصن الجماعات : الشبهات والشهوات .
ونحن بحاجة لوقفة حقيقية نرى فيها مواضع أقدامنا ونحدد مواطن هاماتنا ونعيد صياغة أعمالنا ومواقفنا في ضوء وهدي هذه الأنوار .

النور الأول : إذا كنت ستزرع على الدوام ازرع الأفكار .
صحة اى مجتمع أو جماعة تتكون من ثلاثة مكونات هي : الأفكار والأشخاص والأشياء ، ويكون المجتمع أو الجماعة في أوج صحته وعافيته حين يدور الأشخاص والأشياء في فلك الأفكار الصائبة ، ويصابان بالمرض والاعتلال حين تدور الأفكار والأشياء في فلك الأشخاص ، و ينتهيان إلى حالة الجمود والوفاة حين تدور الأفكار والأشخاص في فلك الأشياء ويتحدد منهج الفهم والتفكير وسلم القيم الذي يسود ويوجه أنماط التفكير والاهتمامات والسلوك بين الأفراد على العلاقة بين هذه المكونات . ( مالك بن نبي)
و العقول العظيمة دائما تناقش الأفكار ، والعقول العادية تناقش الأحداث ، في حين أن العقول الضيقة هي التي تناقش أفعال الناس .وانطلاقا من هذا التصور فبإمكاننا أن نراجع مواقفنا وأفكارنا ولنكن صرحاء !ولنصارح أنفسنا ولنقل الحقيقة ! ولا ندفن رؤوسنا في الرمال ،فإن الأزمة الراهنة قد دقت أجراس الخطر ، فالكثير اهتم بالأحداث محللين ومنظرين ، وبالأشخاص قيل وقال ، والقليل الذي اهتم بالأفكار تناولها بسطحية مخلة وضبابية مانعة من الرؤية الشاملة الصحيحة لأبعاد الأزمة وخطورتها على مستقبل الجماعة .

النور الثاني : لا تهربوا من خشونة كلامي فما رباني إلا الخشن في دين الله عز وجل .
كلمة قالها عبد القادر الجيلانى ونقولها لأبناء الدعوة ( القادة والجنود ) كما قال : لا تهربوا من خشونة كلامنا وصراحته ، فإن الكلمات الدبلوماسية لا تنفع في تربية الدعاة ولا أساليب الإيماء بل هي الإشارة الصحيحة الواضحة فحسب تربى بلا اعتداء وجرح .
وأولى للداعية المسلم في أوقات الفتن والأزمات أن يكون صريحا مع نفسه .
فمن لم يحاسب نفسه في أموره يقع في عظيم مشكل متشابه
فلابد أن تكون هذه الأزمة هزة إيقاظ لكتف غافل من لسان صريح في كلامه محدد في إشاراته
فقد اعتاد البعض النظر إلى الناقد ـ أيا كان هدفه أو أسلوبه ـ بعين الريبة والشك, ومن ثم التهميش والإهمال،وفي المقابل نجد البعض الآخر يتغاضون عن الأخطاء ويحرصون على تسويفها والتماس المعاذير لدفعها والسكوت عنها،بل قد يتجرأ بعضهم في الدفاع عنها وتحويلها إلى مكاسب وحسنات
لكن القرآن الكريم يربينا على منهج آخر, إنه منهج المراجعة والمحاسبة وتدارس الأعمال بكل صدق وتجرد, ومن ثم المصارحة والمكاشفة التي تتلمس مواضع النقص, والعيب, لا تضخيمها, ولكن من أجل تدارك الحال وتقويمه.
فالله عز وجل عاتب نبيه ـ وهو سيد ولد آدم وقائد المسلمين الأعظم ـ في غير آية, قال الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى, أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى, وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى, أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى, أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى, فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى, وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى, وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى, وَهُوَ يَخْشَى, فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: 1ـ10].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[التحريم:1].
وقال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾[التوبة:43].
غاية في الوضوح والصراحة التي تبني الثقة في نفس القادة والجنود
والمصارحة في بيان الأخطاء تعني: التناصح وتسديد المعايب بمحبة ورحمة وإشفاق وهي تعني أيضًا القرب من الناصحين المخلصين لا ازدرائهم وتهميشهم لمجرد أنهم ينصحون لله عز وجل.
ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال: «المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقطع الوسخ إلا بنوع من الخشونة لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة، ما نحمد معه ذلك التخشين» الفتاوى (28/53).

النور الثالث : لا تصادر عقلي .
الاستبداد صفة من صفات التسلط وفرض الرأي بالقوة، وهو يقتضي تكميم الأفواه، وقطع الألسن فلا تتحدث إلا في مجال محدود لا تتجاوزه وبطريقة معينة لا تتغير،بل قد ينطلق الاستبداد أحيانًا ليحجر على أفكار الإنسان وخواطره، بل أنفاسه وزفراته، والاستبداد الدعوى - إن صح التعبير - ممارسة تربوية ذات أبعاد خطيرة، تقتل ملكات الإبداع والإنتاج، وتعطل الطاقات .
أرأيت إلى ذلك القائد الذي لا يُحب أن يَسمع رأيًا غير رأيه، ولا يرضى باقتراح أو نصح من أحد، فإذا تكلم، فمن حوله سكوت، وإذا أشار فالناس له تبع، أتباعه ومريدوه حقهم السمع والطاعة، في المنشط والمكره، في العسر واليسر، في الخير والشر..!
مفهوم الشورى عنده إخبار الآخرين بما يرى فإن وافقوه فبها ونعمت، وإن خالفوه، فالشورى عنده مُعلمة لا ملزمة.
هكذا توأد الأفكار، وتخنق الأصوات وتحطم ملكات الإبداع والإنتاج، وينـزوي أصحاب الأفكار والملكات بعيدًا عن ساحة العمل الدعوى لأن الساحة لا تسعهم وقادتهم.
ومن ثم فنحن في حاجة شديدة إلى ترويض ومتابعة؛ لكي نتعلم كيف نقدر الرأي الآخر، وننجو من مصادرة عقول الآخرين.
ولقد كان السلف الصالح والأئمة الأخيار يختلفون فيقول قائلهم: «جائز ما قلت أنت، وجائز ما قلت أنا، وكلانا نجم يهتدي به فلا علينا شيء من اختلافنا» سير أعلام النبلاء (10/617).

النور الرابع : لا تعن على دم إخوانك .
يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعط جعيل بن سراقة الضمرى رضي الله عنه شيئا من المال وهو المهاجر المجاهد وأعطى من هو دونه وظنها سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه إهمالا لجعيل وأراد توثيقه : قال سعد : فأسررته قلت : مالك عن فلان ، والله إني لأراه مؤمنا ؟ قال : أو مسلما
فذكر ابن حجر أن هذا الحديث يتضمن من الفقه:قال : أن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان
ثم قال : وقد يتعين إذا جر الإعلان إلى مفسدة .
ولما طلب من أسامة بن زيد رضي الله عنه أن يكلم أمير المؤمنين حول أمر قال : إنكم لترون أنى لأكلمه ؟ إلا أسمعكم أنى اكلمه في السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه
فاخبرهم أنه لم يغفل عن ذلك وأنه كلمه ولكن في السر خوفا أن يستغل أهل الأهواء كلامه فيتخذونه ذريعة على الفتن والمفاسد
وهذا عبد الله بن عكيم يلخص تجارب المخلصين فيقول : لأعين على دم خليفة أبدا بعد عثمان
وكانت كلمة مثيرة حقا فما لهذا الشيخ البريء المؤمن الذي لم يرفع في وجه عثمان سيفا أبدا يتهم نفسه ويلومها على ما لم يفعل ؟وينبري جريء لسؤاله :
يا أبا معبد : أو اعنت على دمه ؟
فيقول : إني أرى ذكر مساوئ الرجل عونا على دمه .
فهو يتهم نفسه بجزء من دم عثمان لأنه رأى بأم عينيه كيف ما ظنه وقام في نفسه من انه الحق قد أدى إلى استغلال الرعاع له حين يتكلم به وكيف طوروه حتى قتلوا عثمان رضي الله عنه
إن الجميع اليوم مدعون إلى ملاحظة المغزى العظيم المهم لقصة عبد الله بن عكيم وتجربته الصادقة
بل أن عمر رضي الله عنه قد أسرع هو نفسه قبل غيره إلى الامتناع عن بحث الأمور العامة أمام الجمهور الواسع الذي قد يضم المغرضين السذج واقتصر على إسماع من يظن فيه الفقه والنبل فحسب وذلك حين أراد أن يقوم في مكة أيام موسم الحج خطيبا ليفند لغطا لغط فيه بعض الجهال حول بيعة أبى بكر رضي الله عنه وأحداث يوم السقيفة فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه :
يا أمير المؤمنين : لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس وأخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير وأن لا يعوها وان لا يضعوها على مواضعها فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على موضعها
فلاتكن ساذجا فإنها تحريشات من حولك لسفك دم الدعوة احذر والتفت إلى نفسك وصن سمعك وسارر بنصيحتك ولا تعن بلسانك ، إنه دم الدعوة .

النور الخامس شرط بشرط
أنها أنوار وواجبات مزدوجة بين القائد والجندي يجب أن يحرص كل منهما على الاهتداء بها : قيادة تسبق وجندي يتبع .
(قال له موسى : هل اتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا ؟ قال : إنك لن تستطيع معي صبرا ، وكيف تصبر على مالم تحط به خبرا ؟ قال : ستجدني إن شاء الله صابرا ولا اعصي لك أمرا )
علم ووعى وخبرة واستيعاب ومكاشفة للقادة واستبصار وسمع وطاعة للجندي
انه شرط بشرط

وهكذا تمضى الجماعة مهتدية ومستعصمة بأنوار الفطنة فلا تضل ولا تهوي في ظلمات الفتنة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق