المتابع والمدقق لردود الكثير من الإخوان على المنتديات والمواقع وأيضا عند المناقشات المباشرة يلحظ أن هناك منطق دفاعي وتبريري وأحيانا كثيرة هجومي جاهز دائما .
فعند إثارة أي شبهة أو محاولة نقد أو مراجعة تجد في كلام الكثير من الإخوان هذا المنطق الدفاعي أو التبريري وكأنه محاولة لنفي وجود خطأ أو نقص عند الجماعة ، فالعقل غير مهيأ أو مستعد لأن يسلم أنه من الممكن أن تكون هناك أخطاء .
ووجود هذا المنطق عند التفكير يضع حاجزا كبيرا أمام العقل وأمام وظيفته السامية ، ووجود هذا المنطق عند الكثير من الإخوان يلغي بالتبعية قواعد أخرى للتفكير المنهجي كقاعدة التثبت والتحري وكقاعدة عدم بناء الآراء على الظنون والأوهام وقاعدة أن رأيي صواب يحتمل الخطأ .
وما يقوم به الكثير من الإخوان عند النقاش سواء على صفحات المنتديات أو المدونات أو حتى بينهم وبين بعض يسمى بالجدل العقيم ، فهو جدل بغيته وهدفه الانتصار الشخصي وإفحام الخصم وليس الغرض منه إظهار الحق ، ولو كان النقاش كان هدفه إظهار الحق لظهر ذلك في مفرداته ولكان النقاش يدور حول الفكرة المراد الجدل حولها لكن في معظم الأحيان النقاش يتحول إلى الأشخاص إما بالسب والشتم والتخوين للخصم وإما الدفاع وإظهار المحاسن وأحيانا القدسية للجماعة أفرادا وقيادة فهم خلفاء الله وممثلوه في الأرض وهم أصحاب الدعوة الربانية وما إلى غير تلك الألفاظ والتشبيهات العاطفية التي تجعل من الجماعة و أفرادها في مكانة بعيدة عن النقد والمراجعة ، ومن يقوم بنقدهم فهو المارق المعاند الحاقد العميل ....... إلى تهم كثيرة تفننوا في وصفها .
وللعلم يا إخواني أن المجادلة والنقاش والحوار لهم أصول وقواعد ، فذلك علم وضع قواعده علماء المنطق وسطروا في ذلك كتب كثيرة ، ومن خلال ما لاحظته وقرأته من حوارات وردود على المنتديات أو المدونات أو المواقع أزعم أن الكثير من الإخوان بعيدون جدا عن ضوابط وأصول علم النقاش والمناظرة .
وإليكم مثل واحد من القرآن الكريم يوضح كيف يكون الجدال وكيف تكون المناظرة ، يقول الله عز وجل : " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ، قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنت بشر ممن خلق ، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ، وإليه المصير " .
وفي هذه الآية الكريمة مثل يحتذى به في الجدل والمناظرة ، فرغم تطاول اليهود والنصارى على الله عز وجل بقولهم ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) إلا أن الله عز وجل لم يلجأ إلى منطق الدفاع والتبرير الضعيف ، فلم يقل هم ليسوا بأبنائي ، وإنما خاطبهم عز وجل بالحجة الدامغة والبرهان القاطع ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) هل لو كنتم أبناء الله فهل يحق لمن له حبيب أو ابن أن يعذبه ويصيبه بالمكروه ، فدحض حجتهم وأبطل دعواهم بالحجة والمنطق وليس بمنطق الدفاع والتبرير .
وللحقيقة حاولت أن أقف على أسباب تولد هذا المنطق الدفاعي التبريري وأحيانا الهجومي عند الكثير من الإخوان ، وكانت هذه بعض الأسباب من وجهة نظري :
1 – استخدام مفردات دعوية ترسخ في النفس القداسة والاستعلاء ( الجماعة الربانية – دعوة الله – أعداء الإسلام – الثوابت – الدعوات الأرضية ........ الخ )
2 – عدم وجود مناهج الاختلاف في الرأي وقبول الآخر وأصول النقاش والمناظرة داخل المناهج التربوية لأفراد الجماعة .
3 – عدم الشفافية والوضوح من جانب القيادة عند الحديث عن الكثير من القضايا الفكرية والتنظيمية واللجوء إلى المنطق التبريري الدفاعي .
4 – وضع الجماعة دائما في خانة الضحية التي يريد الكل أن يجهز عليها ويدمرها ويشوهها ، مع وضع الناقد أو المختلف دائما في وضع الجاني والعدو بما يستلزم إعلاء منطق الدفاع والتبرير .
5 – تضارب الأولويات بين التراجع أو مراجعة بعض أفكار الجماعة مع وحدة التنظيم وعدم شق صفه ، وانتشار ثقافة ( أن نتحد على الصواب خير من أن نفترق على الأصوب ) ، وحقيقة أنا لا أعلم هل لهذه المقولة أصل أم لا ؟ وأنا مع قليل علمي أعرف أن علماء المذهب الواحد كان بينهم صواب وأصوب وأن هناك من الفقهاء من عدل على شيخه ابتغاء الأصوب والأصح ، ولم يقولوا لوحدة المذهب أن نتنازل عن رأينا ليظهر المذهب برأي واحد ، فظهر في المذهب الواحد في مسألة واحدة أكثر من رأي .
6 – إطلاق معاني الثقة في القيادة وفي المنهج بدون ضوابط حاكمة ، والخلط بين المنهج الرباني الذي لا خلاف عليه وبين الأفكار البشرية والتي من الممكن أن تنقد وتراجع وتناقش . تلك الثقة الزائدة والمفرط في استخدامها جعلت من ينقد ومن يناقش يظهر بمظهر المحرف أو الخائن وكأنه حرف أو هاجم أصول الإسلام ، ومن الطبيعي أن ينبري الشباب المتحمس للدفاع عن أصول دعوته وهو يشعر في داخل نفسه أنه يدافع عن الإسلام وهو في ذلك مخدوع وواهم .
وللخروج من تلك الحالة المرضية التي تعيق العقل عن التفكير السليم والتحلي بمقومات الإبداع ، يجب تربية أفراد الصف على معاني الاختلاف في الرأي وقبول الآخر ودراسة أصول المناظرة والجدل والنقاش
والأهم من ذلك وأصله هو أن نتربى على أننا مع الحق وأن نتخلى عن منطق الهجوم على الآخر أو الدفاع والتبرير لما تفعله الجماعة أو تقوله والأولى من ذلك أن نظهر الحق ولو على أنفسنا ، فنحن في الأصل مدافعين عن الحق أينما كان وعلى أي لسان قيل .
" ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ، ولا تنسوا الفضل بينكم "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق