هل هناك فتور يصيب الإخوان ... أم لا ؟
لاشك أن الاهتمام بالعمل التربوي داخل جماعة الإخوان لابد أن يحتل المكانة الأولى ، لأنه المنوط بتجهيز وبناء الأفراد ، وهذه الأفراد هي التي تنفذ أهداف الإخوان وتسير بهم نحو تحقيق مشروعها الإصلاحي .
وهذا ما جعل الإمام المؤسس حينما طلب منه وصف الجماعة في كلمة واحدة قال : هي جماعة "تربوية"
ولا شك أننا أيضا حين نبحث ونسأل عن وجود آفة الفتور وهل هي موجودة وتضرب قطاعات من الإخوان فإننا بذلك نريد أن نطمئن على سلامة أهم عمل داخل الجماعة وأكثرها إفادة وخطورة في نفس الوقت .
فجودة العمل التربوي هو صمام الأمان للجماعة من الغزو الفكري والأخلاقي الذي يملأ مجتمعاتنا الآن ، وهو العامل المنشط الذي يساعد على إنجاز الأعمال وتحقيق الأهداف .
ومخالفة معايير الجودة التربوية حتما يشكل ناقوس خطر على أفراد الجماعة وأهدافها ومشروعها بأكمله وأن استمرت الجماعة في مخالفة تلك المعايير فذلك يجعلها داخل المجتمع كجسد بلا روح وكمظهر بلا جوهر وكوجود بلا حقيقة .
ومن البديهي أن تحدد تلك المعايير وفقا لما تخبره علوم التربية والسلوك ، وأن يشرف على وضع تلك المعايير العلماء الثقات من رجال هذا الفن وذاك العلم .
ورجوعا بعد هذه المقدمة إلى السؤال عنوان المقالة ، هل هناك فتور تربوي ودعوي بدأ يتسرب إلى صفوف الإخوان ؟ وما سبب ذلك الفتور ؟
وقبل أن نجيب على السؤال الأول ونقر أو ننكر وجود فتور داخل بعض قطاعات الجماعة ، لابد أن نحتكم إلى معيار أو ضابط أو مؤشر يقيس لنا مسألة الفتور ويثبت وجودها من عدمه .
فهناك معيار العدد والتواجد ، وهذا المعيار كثيرا ما يحتكم إليه الكثير من الإخوان قيادة وصفا ، وهذا المعيار هو غير دقيق من وجهة نظري وذلك لحديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله أصحابه عما سيصيب الأمة في آخر الزمان من ضعف ووهن ، قالوا : " أومن قلة يومئذ يا رسول الله " قفز إلى ذهنهم مباشرة معيار العدد ، فقام الرسول صلى الله عليه وسلم بتعديل وضبط المؤشر فقال : " لا بل أنتم يومئذ كثير ( أي أن العبرة ليس بالعدد ) ولكنكم غثاء كغثاء السيل " .
وكثير ما يتكئ الإخوان على ذلك المعيار في الحكم على قوة الجماعة وفاعليتها ، وهذا معيار غير دقيق ، فهناك من يردد أن لنا 88 عضوا في البرلمان ، وهناك من يقول الجماعة منتشرة في أكثر من 80 دولة حول العالم .
وأنا شخصيا ضد هذه الأقاويل وترديدها من غير وعي وإدراك ، لأنه من البديهي والمنطقي أن يقول شخص إذا كان هناك أي تنظيم أو جماعة منتشرة في أكثر من 80 دولة لابد أن أعدادهم يبلغ مئات الالاف بل يتعدى الملايين ، ولابد أن تحدث تلك الملايين تأثيرا بالغا بل قل طفرة كبيرة في المجتمعات التي تعيش فيها بالرغم من كل التضييق الذي يمارس عليها ، وهذا لا ينفي مجهودات الإخوان وإنجازاتهم ولكنها لا تتناسب مطلقا مع تلك الأعداد التي نتكلم عنها ونتغنى بها .
إذن هناك معيار آخر أدق وأفضل من معيار العدد وهو معيار الفاعلية ، ومعيار الفاعلية في العمل التربوي يساوي ( التغيير ) مصداقا لقول الحق عز وجل : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ، فلابد أن نلحظ تغييرا نحو الأفضل في البناء التربوي لصفوف الإخوان حتى نرى نتائجه على مستوى المجتمع .
والذي يجعل معيار التغيير أفضل من معيار العدد والتواجد هو إحصائيات ومتابعات العمل التربوي ، فالعامل والمنخرط في العمل التربوي داخل الإخوان يلحظ ما يلي :
1 – نسبة حضور الوسائل التربوية من الأسر والليالي الإيمانية والمخيمات تترواح من 50 – 70 % وهي نسبة ضعيفة ، وكما قلت فإن معيار العدد غير دقيق لأنه ليس بالضرورة أن يكون كل المتخلفين عن تلك الوسائل من المصابين بنواقص تربوية فهناك أصحاب أعذار حقيقية وهناك من يتخلف فعلا لنواقص تربوية فيه وهناك من يختلف مع أسلوب إدارة الإخوان للأعمال فيبتعد قليلا ، والخلاصة أن هناك أسباب كثيرة لضعف التواجد وظهور الجماعة كعدد أكبر من حجمها الطبيعي .
2 – هناك كم من التكرار في الوسائل والبرامج التربوية والعائد والمردود منها قليل من حيث التغيير والتطور التربوي في بناء صف الإخوان .
فعلى سبيل المثال هناك كم غير قليل من الإخوان يواظب على حضور الوسائل التربوية والتي بها برامج تعالج قصوره ( من وجهة نظر المربين ) ويظل على نواقصه كما هي وتظل نسبة التغيير قليلة وفي أحيان كثيرة منعدمة .
3 – هناك الكثير من الشكاوي في الكثير من المناطق وقطاعات العمل الإخواني من البطالة الدعوية وشكاوي الفتور الإيماني والدعوي ( وصار الاستشهاد بقاعدة 20 / 80 ) استشهادا كثيرا في واقع الإخوان التربوي ، وتلك القاعدة ملخصها أن من كل 100 شخص نجد هناك أن 20 منهم هم من يتميزون بالفاعلية والإنتاج .
فمن وجهة نظري ومما رأيت هناك حالة من الفتور الإيماني والدعوي تنتاب قطاعا عريضا من أبناء الدعوة ، ويجب تضافر الجهود لتقصي تلك الحالة وإبداء أسبابها وتلمس طرق علاجها .
وأول العلاج الاعتراف بوجود الحالة وعدم الهروب منها وعدم إنكارها لتحسين صورة الجماعة أمام أبنائها وأمام الرأي العام .
وثاني خطوات العلاج الوقوف على أسباب الفتور الرئيسية ومحاولة معرفة لماذا لا يتغير الفرد نحو الأفضل .
ومن البديهي عندما يكون الخلل حجمه كبير فلابد أن يتهم المربي نفسه ويتهم برامجه ، فإن كان هناك عيب في أحد الأفراد فمن غير الممكن أن تكون كل تلك الأفراد مصابة بالعطب والنقص الذاتي وأن تكون الجماعة تؤدي ما عليها تجاههم .
وهنا لي وقفة متأنية مع مراحل التغيير نحو الأفضل في النفوس :
1 – المعرفة : تكوين فكرة عميقة واضحة وصحيحة . ( ما هو ) ؟
2 – الرغبة والميل : في التحقق بتلك الفكرة أو الخلق أو العبادة ومن الممكن أن نعبر عنه بـــــ
( الإرادة ) . ( لماذا ) ؟
3 – القدرة : أن تتكون لديه القدرة على التحقق والتخلق . ( كيف ) ؟
إذن عندما ننشد تغييرا حقيقيا في النفوس ، عليك أن تبحث كمربي عن ماهية الشئ المراد تحققه ثم تبحث عن خلق الدوافع الحقيقية لاستمالة القلب نحوه ثم تنتهي بالكيفية أي القدرة على التحقق .
فعند التمحيص والتحليل للواقع التربوي للإخوان وتحليل المناهج التربوية لديهم نجد استعجال للثمرة واضح ، فهناك اهتمام بالكيفيات على حساب الماهيات والدوافع الحقيقية .
فعلاج الفكرة السطحية يكون بتعميقها وزيادة توضيحها وزيادة الرؤية المتعددة الجوانب لها ، وفي تلك الأمور يظهر عمل المتخصصين واضحا جليا عن عمل الهواة وأدعياء العلم ، فالله عز وجل من الممكن أن يعفو عن إنسان بجهله بأمر ما ولكن هل سيغفر له إدعاؤه العلم والمعرفة وتصدره لعمل لا يحسنه وتصدره لمسئولية هو ليس أهل لها ؟ .
وعلاج الإرادة بإيجاد دوافع حقيقية داخل القلوب نحو الأفعال والأخلاق ، وقد أبدع علماء التصوف والسلوك في هذه النقطة كثيرا ومفادها جلب كل نافع ومفيد للنفس من الفكرة المراد التحقق بها فتميل إليها النفس وترغبها وكذلك بيان أوجه الضرر والخسارة للنفس من أي فكرة المراد التخلص منها بهدف تكوين الكره والنفور داخل النفس منها .
وهذا كحب الطعام والرغبة فيه لان النفس تعلم يقينا أن فيه حياتها وفائدتها ونجاتها ( هل نتعب في إيجاد دوافع نفسية لدينا نحو الطعام ) وأيضا كالنفور والاشمئزاز من النار لأن النفس تعلم أن فيها هلاكها ونهايتها ( فهل تجد إنسانا يحب النار أو يهوى أن ينكوي بها ) .
ولا تتكون الدوافع الحقيقية بخاطر على القلب واللسان ولا هي داخلة تحت اختيار الإنسان كما أذيع من فقرات تذكر النوايا الحسنة وتعديدها قبل بدء الأعمال .
وفي هذا المعنى يقول الدكتور القرضاوي في كتابه النية والإخلاص : " وليست النية إذن خاطرة تطرأ على القلب لحظة ثم لا تلبث أن تزول ، فلا ثبات لها ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفسها ، ما لم تعمل به ، أو تتكلم به " وهذا يؤيد ما قاله بعضهم من أن النية ليست مجرد طلب ، بل الجد في الطلب . "
إذن تكوين الدوافع الحقيقية يحتاج إلى مجهود وفترة من الزمن لجعل النفس تميل وترغب في تلك الأفعال والأحوال وهذا لا ينفع معه الترديد باللسان أو استحضار معان لحظية ولو تواردت على القلب .
فالأعمال إذا تكون لها الدوافع الحقيقية تنجز من قبل الفرد بسهولة ويسر سواء أكان الفرد وحده أم في جماعة تنشطه وتحفز منه ، فحكمنا على تكوين الدوافع الحقيقية يجب ان يكون في حالة الفردية لا في حالة الجماعة .
فعلى سبيل المثال هناك الكثير من يقوم الليل في الليالي الإيمانية فقط وإذا انفرد في بيته لم يقم من الليل شيئا لأنه لم تتكون دوافع حقيقية للقيام فقيامه بين إخوانه لأنه بينهم وهناك تكليف بالقيام فهذا عمل بلا نية ، ومن يعترض على هذا الوصف يتخيل أنه أصابه عذر ولم يذهب للقاء إخوانه في تلك الليلة هل كان سيقوم مثلما قام بينهم ؟ ام لا ؟
عندما غاب اهتمامنا بالأفكار ونقائها ووضوحها وعمقها من ناحية وخلق دوافع حقيقية من ناحية أخرى وصببنا جل الإهتمام بالكيفيات للاستعجال في تنفيذ التكاليف اختلت عملية التربية وأركانها ، فكان بعد فترة من المضي في تلك الطريقة الفتور والتراخي الذي يضرب صفوف كثيرة من الإخوان ويقف أمامه القائمون على الجماعة بصفة عامة وعلى التربية بصفة خاصة مندهشون مكتوفي الأيدي لا يعرفون كيف يعالجون هذا الفتور .
فوجب علينا أن ننبههم على أن الخلل أتى أصلا من الإخلال بأركان عملية التربية واستعجالها ، فلابد من العودة إلى أهل الذكر في تلك المسألة والعودة إلى المصادر الأصيلة لعملية التربية والسلوك .
ذلك إن أردنا صفا قويا منتجا كيفا لا كما ، فالعبرة كما قلنا بالفاعلية وليس بالعدد .
تلك كانت همسات في أذن إخواني القائمين على التربية داخل الجماعة أسال الله عز وجل أن ينفع بها وأن يجعلها في ميزان حسناتي يوم القيامة
كتب د . عبد الرحمن مختار
على مدونة ( أنا من الإخوان ولكن )
http://anaikhwanbut.blogspot.com/

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق